فصل: ذكر بعض ما أخذ على كتاب العين

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المزهر في علوم اللغة ***


النوع الثالث والأربعون‏:‏ معرفة التصحيف والتحريف

أفرده بالتصنيف جماعةٌ من الأئمة؛ منهم العسكري والدارقطني؛ فأما العسكري فرأيت كتابه مجلداً ضخماً فيما صحَّف فيه أهل الأدب من الشعر والألفاظ وغير ذلك‏.‏

قال المعري‏:‏ أصل التصحيف أن يأخذ الرجلُ اللفظ من قراءته في صحيفة ولم يكن سمعه من الرجال فيغيّره عن الصواب، وقد وقع فيه جماعةٌ من الأجلاء من أئمة اللغة وأئمة الحديث، حتى قال الإمام أحمد بن حنبل‏:‏ ومَنْ يَعْرَى من الخطأ والتصحيف‏؟‏ قال ابن دريد‏:‏ صحّف الخليل بن أحمد فقال‏:‏ يوم بُغاث بالغين المعجمة وإنما هو بالمهملة، أورده ابن الجوزي‏.‏ ونظير ذلك ما أورده العسكري قال‏:‏ حدثني شيخ من شيوخ بغداد قال‏:‏ كان حيّان بن بِِشْر قد وُلِّي قضاء بغداد، وكان من جملة أصحاب الحديث، فروى يوماً حديث أن عَرْفجة قطع أنفُه يوم الكِلاب، فقال له مستمليه‏:‏ أيها القاضي؛ إنما هو يوم الكُلاب، فأمر بحبسه، فدخل إليه الناس فقالوا‏:‏ ما دَهَاك‏؟‏ قال‏:‏ قُطِعَ أنف عَرْفَجة في الجاهلية، وابتليت به أنا في الإسلام‏.‏

وقال عبد اللّه بن بكر السهمي‏:‏ دخل أبي علي عيسى بن جعفر وهو أمير بالبصرة، فعزّاه عن طفل مات له، ودخل بعده شبيب بن شبَّة فقال‏:‏ أَبْشِر أيها الأمير؛ فإن الطفل لا يزال محبنظياً على بابِ الجنَّة، يقول‏:‏ لا أدخل حتى يدخلَ والداي، فقال له أبي‏:‏ يا أبا معمر، دع الظاء والزم الطاء، فقال له شبيب‏:‏ أتقول هذا وما بين لابتيها أفصح مني فقال له أبي‏:‏ هذا خطأ ثَان، من أين للبصرة لابَة‏؟‏ واللاََّبة‏:‏ الحجارة السود، والبَصرة‏:‏ الحجارة البيض‏.‏

أورد هذه الحكاية ياقوت الحموي في معجم الأدباء، وابنُ الجوزي في كتاب الحمْقى والمغفلين، وقال أبو القاسم الزجاجي في أماليه‏:‏ أخبرنا أبو بكر بن شقير قال أخبرني محمد بن القاسم بن خلاد عن عبد اللّه ابن بكر بن حبيب السهمي عن أبيه قال‏:‏ دخلت على عيسى فذكرها‏.‏

وفي الصِّحاح‏:‏ قال الأصمعي‏:‏ كنت في مجلس شُعبة، فروى الحديث، فقال‏:‏ تسمعون جَرْش طير الجنة بالشين، فقلت‏:‏ جَرْس، فنظر إليّ وقال‏:‏ خذوها منه، فإنه أعلم بهذا منا‏.‏

قال الجوهري‏:‏ ويقال‏:‏ أجرس الحادي إذا حدا للإبل؛ قال الراجز‏:‏

أَجرِش لها يابْنَ أبي كباش ***

قال‏:‏ رواه ابن السكيت بالشين وألف الوصل، والرواة على خلافه‏.‏ وقال أبو حاتم السجستاني‏:‏ قرأ الأصمعي على أبي عمرو بن العلاء شعر الحطيئة، فقرأ قوله‏:‏

وغررتني وزعمت أَنْ *** نَك لابِنٌ بالصيف تَامِر

أي كثير اللبن والتمْر، فقرأها‏:‏ لا تني بالضيف تامُر، يريد‏:‏ لا تتوانى عن ضيفك تأمر بتعجيل القِرَى إليه، فقال له أبو عمرو‏:‏ أنت واللّه في تصحيفك هذا أشعر من الحطيئة‏.‏

وفي طبقات النحويين لأبي بكر الزبيدي‏:‏ قال أبو حاتم‏:‏ صَحَّف الأصمعي في بيت أَوْس‏:‏

يا عام لو صادفت أرماحنا *** لكان مَثْوَى خَدِّك الأحْزَما

يعني بالأحزم، الحزم الغليظ من الأرض، قال أبو حاتم‏:‏ والرواة على خلافه، وإنما هو الأَخْرم بالراء، وهو طرف أسفل الكتف؛ أي كنت تقتل فيقطع رأسك على أخرم كتفك‏.‏

وفيما زعم الجاحظ أن الأصمعي كان يصحِّف هذا البيت‏:‏

سَلَعٌ ما ومثلُه عُشَرٌ ما *** عائلٌ ما وعالت البَيْقُورا

فكان ينشده وعالت النّيقورا، فقال له علماء بغداد‏:‏ صحَّفت؛ إنما هو البيقورا، مأخوذة من البقر‏.‏

وقال العسكري‏:‏ أخبرنا أبو بكر بن الأنباري قال‏:‏ أخبرني أبي قال‏:‏ قرأ القَطْربِليّ المؤدب على ثعلب بيت الأعشى‏:‏

فلو كنت في جُبٍّ ثمانين قَامَةً *** ورقيت أسبابَ السماء بسُلَّمِ

فقرأها في حَب بالحاء المهملة فقال له ثعلب‏:‏ خرب بيتك هل رأيت حَبّاً قط ثمانين قامة إنما هو جب‏.‏

وقال القالي في أماليه‏:‏ أنشد أبو عبيد‏:‏

أشكو إلى اللّه عِيالاً دَرْدَقا *** مُقَرْقَمِينَ وعجوزاً شَمْلَقا

بالشين معجمة وهو أحد ما أُخِذ عليه، وروى ابن الأعرابي‏:‏ سملقاً بالسين غير المعجمة، وهو الصحيح‏.‏

وقال القالي‏:‏ كان الطوسي يزعم أن أبا عبيد روى قَبْس بالباء قال‏:‏ وهو تصحيف، وكذا قال أحمد بن عبيد، وإنما هو قَنْس بالنون وهو الأصل‏.‏

وفي المحكم‏:‏ القَنْس‏:‏ الأصل؛ وهو أحد ما صحفه أبو عبيدة فقال القبس بالباء انتهى‏.‏ قال القالي‏:‏ وقول الأعشى‏:‏

تَرُوح على آل المحلِّق جَفْنة *** كجابية الشيخ العراقي تَفْهَق

كان أبو محرز يرويه كجابية السَّيح، ويقول‏:‏ الشيخ تصحيف، والسيح‏:‏ الماء الذي يَسِيح على وجه الأرض‏.‏

وأنشد أبو زيد في نوادره‏:‏

إن التي وضعت بيتاً مهاجرة *** بكوفة الخلد قد غالتْ بها غُول

قال الرِّياشيّ‏:‏ الأصمعي يقول بكوفة الجند، ويزعم أن هذا تصحيف‏.‏ وقال الجَرْمي‏:‏ كوفة الخلد؛ أي أنها دار قَرَارٍ لا يتحولون عنها‏.‏ وقال القالي في قول علقمة‏:‏

رَغا فوقهمْ سَقْب السماء فداحِص *** بشِكّته لم يُسْتَلَب وسليب

داحض فيه بالصاد غير معجمة، يقال‏:‏ دَحَص برجله وفَحَص، وكان بعض العلماء يرويه فداحِض ونسب فيه إلى التصحيف‏.‏

وقال أبو جعفر النحاس في شرح المعلقات‏:‏ قال أبو عمرو الشيباني‏:‏ بلغني أن أبا عبيدة روى قول الأَعشى‏:‏

إنِّي لعمر الذي حطت مناسمُها *** تَهوى وسِيقَ إليه الثَّافِر العَثَل

فأرسل إليه إنك قد صَحَّفْت؛ إنما هو‏:‏ الباقر الغيل، جمع غيل وهو الكثير، والباقر‏:‏ بمعنى البقر، وقال أبو عبيدة الثافر‏:‏ بمعنى الثفار، والعَثَل‏:‏ الجماعة‏.‏

وقال ابن دُرَيد في الجمهرة‏:‏ الجُف‏:‏ الجمع الكثير من الناس؛ قال النابغة‏:‏

في جُف ثَعْلَب وَارِدِي الأمْرار ***

يعني ثعلبة بن عوف بن سعد بن ذبيان، قال ابن دريد‏:‏ وروى الكوفيون‏:‏ في جف تغلب، وهذا خطأ؛ لأن تغلب بالجزيرة، وثعلب بالحجاز، وأمرار موضع هناك‏.‏

وفيها‏:‏ الفلفل معروف ويسمون ثمر البَرْوق فلفلاً تشبيهاً به، قال الراجز‏:‏

وانحَتَّ من حَرْشاء فَلْج خَرْدَلُهْ *** وانْتَفَضَ البَرْوَقُ سوداً فُلْفُلُهْ

قال ابن دريد‏:‏ ومن روى هذا البيت قِلْقِلِه؛ فقد أخطأ؛ لأن القِلْقِل ثمر شجر من العِضَاه، وأهل اليمن يسمون ثمر الغاب قِلْقلاً‏.‏

وقال القالي في أماليه‏:‏ قال نِفْطَويه‏:‏ صحّف العتبي اسم نُقَيلة الأشجعي فقال نُفَيلة‏.‏

وقال الزجاجي في شرح أدب الكاتب‏:‏ حدثنا أبو القاسم الصائغ عن عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة قال‏:‏ حدثنا أحمد ابن سعيد اللحياني، وحدثنا أبو الحسن الأخفش، قال‏:‏ حدثنا أبو العباس محمد بن يزيد المبرِّد قال‏:‏ حدثني أبو محمد التوّزي عن أبي عمرو الشيباني قال كنا بالرَّقة فأنشد الأصمعي‏:‏

عَنتاً باطلاً وظُلْماً كما تُعنَزُ عن حُجَْرَةِ الرَّبيضِ الظِّباءُ

فقلت له‏:‏ إنما هو تُعتَر من العتيرة، والعَتْر الذَّبْح، فقال الأصمعي‏:‏ تُعْنَز؛ أي تطعن بالعَنَزة؛ وهي الحَرْبةُ، وجعل يصيح ويشغب، فقلت‏:‏ تكلم كلام النمل وأصب واللّه لو نفخت في شَبُّور يهودي، وصحت إلى التناد ما نفعك شيء ولا كان إلاّ تُعتَر، ولا رويته أنت بعد هذا اليوم إلاّ تعتر؛ فقال الأصمعي‏:‏ واللّّه لا رويته بعد هذا اليوم إلاّ تُعْنَزُ‏.‏

وفي شرح المعلقات لأبي جعفر النحاس‏:‏ روي أن أبا عمرو الشيباني سأل الأصمعي كيف تروي هذا البيت‏؟‏ فقال‏:‏ تُعنَز، فقال له أبو عمرو صحّفت، إنما هو تُعْتر، فقيل لأبي عمرو‏:‏ تحرّز من الأصمعي، فإنك قد ظفرت به، فقال له الأصمعي‏:‏ ما معنى هذا البيت‏؟‏

وضَرْبٍ كآذان الفِراءِ فُضُولُه *** وَطعْنٍ كإيزَاغِ المخَاضِ تَبُورُها

ما يريد بالفراء ههنا‏؟‏ وكانوا جلوساً على فروة، فقال له أبو عمرو‏:‏ يريد ما نحن عليه؛ فقال له الأصمعي‏:‏ أخطأت وإنما الفِراء ههنا جمع فَرَأ، وهو الحمار الوحشي‏.‏

وقال محمد بن سلام الجمحي‏:‏ قلت ليونس بن حبيب إنَّ عيسى بن عمر قال‏:‏ صحَّف أبو عمرو بن العلاء في الحديث‏:‏ اتقوا على أولادكم فَحْمة العشاء فقال بالفاء، وإنما هي بالقاف، فقال يونس‏:‏ عيسى الذي صحَّف ليس أبا عمرو؛ وهي بالفاء كما قال أبو عمرو لا بالقاف كما قال عيسى‏.‏

وفي فوائد النَّجَيْرَمِيّ بخطه‏:‏ قرأ رجل على حماد الراوية شعر الشّماخ فقرأ‏:‏

تَلوذُ ثعالِبُ الشَّرَفيْن منها *** كما لاذ الغريم من التِّبيع

فقال‏:‏ هو السِّرْقين، فقبح عليه حماد، فقال الرجل‏:‏ إن الثعالب أولع شيء بالسِّرْقين، فقال‏:‏ حماد؛ انظروا يصحف ويفسّر‏؟‏‏.‏

وفيها‏:‏ قال الأخفش‏:‏ أنشدت أبا عمرو بن العلاء‏:‏

قَالتْ قُتَيْلةُ ماله *** قد جُلِّلَتُ شيباً شَواتُه

أم لا أراه كما عهدت *** صَحَا وأقْصر عاذلاتُه

ما تعجبين من امرئ *** أن شاب قد شابت لِدَاتُه

فقال أبو عمرو‏:‏ كبرت عليك رأس الراء فظننتها واواً، قلت‏:‏ وما سراته‏؟‏ قال‏:‏ سراة البيت‏:‏ ظهره؛ قال الأخفش‏:‏ ما هو إلاّ شَواته؛ ولكنه لم يسمعها‏.‏

وفيها‏:‏ قال أبو سعيد الحسن بن الحسين السكري عن الطوسي قال‏:‏ كنا عند اللحياني فأمْلى علينا‏:‏ مثقل استعان بذقنه، فقال له يعقوب بن السكيت‏:‏ بِدَفَّيْه، فوَجَم‏.‏ ثم أملى يوماً آخر‏:‏ هو جاري مكاشري، فقال له ابن السكيت‏:‏ مكاسري؛ أي كِسر بيتي إلى كِسر بيته، فقطع اللحياني المجلس وقطع نوادِرَه‏.‏

وفيها‏:‏ قال الطوسي‏:‏ صحَّف أبو عمرو الشيباني في عجز بيت فقال‏:‏

فُرْعُلة ما بين أَدْمَانَ فالكُدي ***

فقيل له‏:‏ إنما هو‏:‏

رمينا بها شهبى بُوانَة عوّدا *** فُرْعُلة منا بين أَدْمَان فالكُدي

وفيها‏:‏ قال أبو إسحاق الزجاجي‏:‏ ما سمعت من ثعلب خطأ قط إلاّ يوماً أنشد‏:‏

يلوذ بالجُود من النَّيْل الدَّوَل ***

فقال له بعض الكتاب‏:‏ أنشدَناه الأحول‏:‏ بالجوْبِ، وقال‏:‏ يريد التُّرس، فسكت ثعلب وما قال شيئاً‏.‏

وفيها‏:‏ قالوا‏:‏ صحّف الطّوسي في شعر حاتم‏:‏

إذا كان بعض الخبز مسحاً بخرقة ***

وإنما هو‏:‏

إذا كان نفض الخبز مسحاً بخرقة ***

وفيها‏:‏ قال السكري‏:‏ سمعت يعقوب بن السكيت يقول‏:‏ صحَّف ابن دَأْب في قول الحارث بن حلّزة‏:‏

أيها الكاذب المبلِّغ عنا *** عبد عمرو وهل بذاك انْتِهاءُ

وإنما هو عند عمرو‏.‏ وفي كتاب ليس لابن خالويه‏:‏ الناس كلهم قالوا‏:‏ قد بلّع فيه الشيب إذا وخطه القَتِير، إلا ابن الأعرابي، فإنه قال‏:‏ بلّغ بالغين معجمة وصحَّف‏.‏

وهذا الكلام يعزى إلى رؤبة، وذلك أنه قال ليونس النحوي‏:‏ إلى كم تسألني عن هذه الخزعبلات وألوقها لك وأروقها الآن، وقد بلّغ منك الشيب‏؟‏ وفيه‏:‏ الهِمْيغ‏:‏ الموت الوَحِيّ بالغين معجمة، رواه الخليل بالعين غير معجمة‏.‏

وفيه‏:‏ جمع أبا عمرو بن العلاء وأبا الخطاب الأخفش مجلس، فأنشد أبو الخطاب‏:‏

قالت قُتيلة ماله *** قد جُلِّلتْ شيباً شواته

فقال أبو عمرو‏:‏ صحّفت يا أبا الخطاب، إنما هو سَراتُه، وسراة كل شيء أعلاه، ثم انصرف أبو عمرو، فقال أبو الخطاب‏:‏ واللّه إنها لفي حفظه، ولكنه ما حضره، فسأل جماعة من الأعراب، فقال قوم‏:‏ سَرَاته، وقال آخرون‏:‏ شَوَاته، فعلم أن كل واحد منهما ما رَوَى إلاّ ما سَمِع‏.‏

وفيه‏:‏ جمع المفضل والأصمعي مجلس فأنشد المفضل‏:‏

وذاتُ هِدْمٍ عارٍ نَواشِرُها *** تُصْمِتُ بالماء تَوْلباً جَذِعا

فقال الأصمعي‏:‏ صحفت، إنما هو جَدِعاً، أي سيء الغذاء، فصاح المفضل‏:‏ فقال له‏:‏ واللّه لو نفخت في ألف شَبُّور لما أنشدته بعد هذا إلاّ بالدال‏.‏

وفيه‏:‏ جمع أبا عمرو الجَرْمي والأصمعي مجلِس، فقال الجَرميّ‏:‏ ما في الدنيا بيت للعرب إلاّ وأعرف قائله، فقال‏:‏ ما نشك في فضلك- أيدك اللّه- ولكن كيف تنشد هذا البيت‏؟‏

قَدْ كُنّ يَخْبَأْنَ الوجوه تَسَتُّراً *** فالآن حِينَ بَدَأْنَ لِلنُّظَّارِ

قال‏:‏ بدأن، قال‏:‏ أخطأت، قال‏:‏ بَدَيْن، قال‏:‏ أخطأت، إنما هو بَدَوْن، من بدا يبدو إذا ظهر، فأفحمه‏.‏

وفيه‏:‏ من أسماء الشمس يوح، وصحَّفه ابن الأنباري فقال‏:‏ بُوح، وإنما البوح النفس، وجرى بينه وبين أبي عمر الزاهد في هذا كل شيء قالت الشعراء فيهما؛ حتى أخرجنا كتاب الشمس والقمر لأبي حاتم فإذا فيه يوح كما قال أبو عمر‏.‏

وفيه‏:‏ اختلف المعمري والنحويان في الظَّرَوْرى، فقال أحدهما‏:‏ الكيّس، وقال الآخر‏:‏ الكَبْش، فقال كل منهما لصاحبه‏:‏ صَحَّفْتَ، وكُتِب بذلك إلى أبي عمر الزاهد فقال‏:‏ من قال إن الظَّرَوْرَى الكبش، فهو تيس، وإنما الظَّرَوْرَى‏:‏ الكيِّس العاقل‏.‏

وفيه‏:‏ قال ابن دُرَيد‏:‏ القَيْس‏:‏ الذكر؛ قال أبو عمر‏:‏ هذا تصحيف، إنما هو فَيْش، والقَيْس‏:‏ القِرْد، ومصدر قاس يقيس قَيْساً‏.‏

وفي شرح الكامل لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد البَطْلَيوسي قول الراجز‏:‏

لم أر بؤساً مثلَ هذا العام *** أرهنت فيه للشقا خَيْتامي

وحق فخري وبني أعمامي *** ما في الفروق حفنتا حتامي

صحفه بعضهم فقال في إنشاده حثام بثاء مثلثة وهو- بتاء مثناة‏:‏ بقية الشيء‏.‏

ونقلت من خط الشيخ بدر الدين الزركشي في كراسة له سماها عمل من طَبَّ لمن حب صحَّف ابن دريد قول مُهَلْهِل‏:‏

أنكحها فَقْدُها الأَرَاقِم في *** جَنْبٍ وكان الحِباءُ من أَدَم

فقال‏:‏ الخِباء بالخاء المعجمة، وإنما هو بالمهملة‏.‏

وصحَّف أيضاً قول قَيْس بن الخَطِيم يصف العين‏:‏

تغترق الطرف وهي لاهية ***

فرواه بالعين غير معجمة، وإنما هو بالمعجمة فقال فيه المفجع‏:‏

ألسْتَ ممَّا صحفت تغترق الط *** رف بجهل فقلت تعترق

وقلت كان الخِباء من أدم *** وهو حِباء يُهْدى ويُصْطَدَقُ

وأورد ذلك التيجاني في كتاب تحفة العروس، وأورد البيت الأول بلفظ‏:‏

ألم تصحف فقلت تعترق الط *** رف بجهل مكان تغترق

وفي طبقات النحويين للزبيدي قال الفراء‏:‏ صحَّف المفضل الضبي قول الشاعر‏:‏

أفاطم إني هالك فتبيَّني *** ولا تَجْزَعي كلُّ النساء تَئِيمُ

فقال يتيم، وإنما هو تَئِيم‏.‏

وفيها

قال ابنُ أبي سعيد، قال أبو عمرو الشيباني‏:‏ يقال‏:‏ في صدره عليَّ حَسيكة وحَسيفة، وكان أبو عبيدة يصحِّف فيهما فيقول‏:‏ حشيكة وحشيفة، قال أبو عمرو‏:‏ فأرسلت إليه يا أبا عبيدة، إنك تصحف في هذين الحرفين فارجع عنهما، قال‏:‏ قد سمعتهما‏.‏

وقال الزبيدي‏:‏ حدثني قاضي القضاة منذر بن سعيد قال‏:‏ أتيت أبا جعفر النحاس فألفتيه يُملي في أخبار الشعراء شعر قَيس بن مُعاذ المجنون حيث يقول‏:‏

خليليّ هل بالشام عينٌ حزينة *** تُبَكِّي على نَجْدٍ لعلي أعينها

قد أسْلَمَها الباكون إلاّ حَمَامَةً *** مُطَوَّقةً باتَتْ وباتَ قَرينُها

فلما بلغ هذا الموضع، قلت‏:‏ باتا يفعلان ماذا‏؟‏ أعزك اللّه فقال لي‏:‏ وكيف تقول أنت يا أَنْدَلسي‏؟‏ فقلت‏:‏ بانت وبان قرينها‏.‏

وقال في الجمهرة‏:‏ الغضغاض بالغين المعجمة في بعض اللغات‏:‏ العِرْنِين وما وَالاَهُ من الوجه؛ قال أبو عمر الزاهد‏:‏ هذا تصحيف؛ إنما هو العَضْعاض بالعين غير معجمة، قال ابن دُرَيد‏:‏ وقال قوم‏:‏ العُضَّاض بالتشديد‏.‏

وفي الصِّحاح‏:‏ اجْفَأظَّت الجِيفة اجْفِئْظاظاً‏:‏ انتفخت، قال ثعلب‏:‏ وهو بالحاء تصحيف‏:‏ وفي الجمهرة‏:‏ يقال‏:‏ أنّ الرجل الماء؛ إذا صبَّه، وفي بعض كلام الأوائل، أُنّ ماءً وأغْلهِ؛ أي صُبّ ماء وأغْلهِ؛ وقال ابن الكلبي‏:‏ إنما هو أُزّ ماء‏:‏ وزعم أنّ أُنَّ تصحيف‏.‏

وقال الأزهري في التهذيب‏:‏ قال الليث‏:‏ الرَّصَع‏:‏ فِرَاخ النحل، وهو خطأ، قال ابن الأعرابي‏:‏ الرَّضَع‏:‏ فراخ النحل بالضاد معجمة رواه أبو العباس عنه، وهو الصواب، والذي قاله الليث في هذا الباب تصحيف‏.‏

وقال ابن فارس في المجمل‏:‏ حدثني العباس بن الفضل، قال‏:‏ حدثنا ابن أبي دؤاد قال‏:‏ حدثنا نَصْر بن علي الجُهْضُمِي، قال‏:‏ حدثنا الأصمعي قال‏:‏ أنشدنا أبو عمرو بن العلاء‏:‏

فما جَبُنُوا أنا نَشُدّ عليهمُ *** ولكن رأوا ناراً تَحُسُّ وتَسْفَعُ

قال‏:‏ فذكرت ذلك لشعبة فقال‏:‏ ويلك إنما هو‏:‏

فما جَبُنُوا أنا نشدُّ عليهمُ *** ولكن رأوا ناراً تُحشّ وتَسْفَعُ

قال الأصمعي‏:‏ وأصاب أبو عمرو، وأصاب شعبة، ولم أر أحداً أعلم بالشعر من شُعبة؛ تُحش‏:‏ توقد، وتحس‏:‏ تمس وتشوى‏.‏

وفي بعض المجاميع‏:‏ صحّف حماد بن الزبرقان ثلاثة ألفاظ في القرآن لو قرئ بها لكان صواباً؛ وذلك أنه حفظ القرآن من مصحف ولم يقرأه على أحد‏:‏ اللفظ الأول ‏"‏ وَمَا كان اسْتِغْفَارُ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا ‏"‏ أبَاهُ، يريد إيّاه‏.‏

والثاني‏:‏ ‏{‏بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وشِقَاق‏}‏‏.‏

والثالث‏:‏ ‏{‏لِكلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ‏}‏ يَعْنيهِ‏.‏

وروى الدارقطني في التصحيف عن عثمان بن أبي شيبة‏:‏ أنه قرأ على أصحابه في التفسير‏:‏ ‏{‏ألم تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحَابِ الفِيلِ‏}‏‏.‏

يعني قالها كأوّل البقرة‏.‏

وقال ابن جِنّي في الخصائص‏:‏ باب في سقطات العلماء حكي عن الأصمعي أنه صحَّف قول الحُطَيئة‏:‏

وغررتني وزعمت أنك لابن بالصيف تامر ***

فأنشده لا تَنِي بالضيف تامر أي تأمر بإنزاله وإكرامه وحُكي أن الفراء صحّف فقال‏:‏ الحراصل‏:‏ الجبل، يريد الحُرّ أصل الجبل‏.‏

وأخبرنا أبو صالح السليل بن أحمد عن أبي عبد اللّه محمد بن العباس اليزيدي عن الخليل بن أسد النُّوشَجاني عن التوّزي، قال‏:‏ قلت لأبي زيد الأنصاري‏:‏ أنتم تنشدون قول الأعشى‏:‏

بِساباطَ حتى مات وهو مُحَزْرَق ***

وأبو عمرو الشيباني ينشدها مُحَرْزَق، فقال‏:‏ إنها نَبَطية، وأم أبي عمرو نَبَطية فهو أعلم بها منا‏.‏

وذهب أبو عبيد في قولهم‏:‏ لي عن هذا الأمر مَندوحة؛ أي متسع إلى أنه من قولهم‏:‏ انْداح بطنه، أي اتّسع‏.‏

وهذا غلط لأن انداح انفعل وتركيبه مُندَوَح، ومَنْدُوحة مفعولة، وهي من تركيب نَدَح، والنّدْح‏:‏ جانب الجبل وطرفه وهو إلى السعة، وجمعه أَنْداح، أفلا ترى إلى هذين الأصلين تبايناً وتباعداً‏؟‏ فكيف يجوز أن يشتق أحدهما من صاحبه ‏!‏ وذهب ابن الأعرابي في قولهم‏:‏ يوم أَرْوَنان إلى أنه من الرُّنّة؛ وذلك أنها تكون مع البلاء والشدة‏.‏

قال أبو عليّ‏:‏ وهذا غلط، لأنه ليس في الكلام أَفْوَعَال، وأصحابنا يقولون‏:‏ هو أفْعلان من الرُّونة؛ وهي الشدة في الأمر‏.‏

وذهب ثعلب في قولهم‏:‏ أسكُفّه الباب إلى أنها من قولهم‏:‏ اسْتكَفّ؛ أي اجتمع، وهذا أمر ظاهر الشناعة؛ لأن أسْكُفَّة أُفْعُلّة، والسين فيها فاء، وتركيبها من سكف، وأما استكف فسينه زائدة؛ لأنه استفعل وتركيبه من كَفف، فأين هذان الأصلان حتى يجتمعا‏!‏ وذهب ثعلب أيضاً في تَنّور إلى أنه تَفْعُول من النار؛ وهو غلط، إنما هو فَعّول من لفظ ت ن ر، وهو أصل لم يستعمل إلاّ في هذا الحرف، وبالزيادة كما ترى، ومثله مما لم يستعمل إلاّ بالزيادة‏:‏ حَوْشب وكوكب وشَعَلَّع وهَزَنْبَزَان ومَنْجنون؛ وهو باب واسع جداً‏.‏

ويجوز في التَّنُّورِ أن يكون فَعْنُولاً؛ ويقال‏:‏ إن التنور لفظة اشترك فيها جميع اللغات من العرب وغيرهم، وإن كان كذلك فهو ظريف إلاّ أنه على كل حال فعُّول أو فَعْنول‏.‏

التواطخ من الطيْخ، وهو الفساد؛ وهذا عجب، وكأنه أراد أنه مقلوب منه‏.‏

ويحكى عن خلف أنه قال‏:‏ وعن ثعلب أيضاً أنه قال‏:‏ أخذت على المفضَّل الضَّبيِّ في مجلس واحد ثلاث سقطات‏:‏ أنشد لامرئ القيس‏:‏

نمسُّ بأعْرافِ الجِياد أكُفَّنا *** إذا نحنُ قمنا عن شواء مُضَهّب

فقلت‏:‏ عافاك اللّه إنما هو نمشّ، أي نمسح، ومنه سمي منديل الغَمَر مشوشاً‏.‏

وأنشد للمخبّل السعدي‏:‏

وإذا ألمّ خيالُها طرقت *** عيني فماءُ جفونِها سجمُ

فقلت‏:‏ عافاك اللّه إنما هو طرفت‏.‏

وأنشد للأعشى‏:‏

ساعَةً أكبرَ النهارُ كما ش *** دَّ مُحيلٌ لَبُونَه اعْتَاماً

فقلت‏:‏ عافاك اللّه إنما هو مخيل بالخاء معجمة‏:‏ رأي خال السحابة فأشفق منها على بُهْمِه فشدّها‏.‏

وأما ما تعقّب به أبو العباس المبرّد كتاب سيبويه في المواضع التي سماها مسائل الغلط فقلما يلزم صاحبَ الكتاب منه إلاّ الشيء النَّزْر، وهو أيضاً مع قلته من كلام غير أبي العباس‏.‏

وحدثنا أبو علي عن أبي بكر عن أبي العباس أنه قال‏:‏ إن هذا كتاب كنا عملناه في الشبيبة والحداثة، واعتذر منه‏.‏

وأما كتاب العين ففيه من التخليط والخَلَلِ والفساد ما لا يجوز أن يُحمل على أصغر أتباع الخليل، فضلاً عنه نفسه، وكذلك كتاب الجمهرة‏.‏

ومن ذلك اختلاف الكسائي وأبي محمد اليزيدي عند أبي عبيد اللّه في الشِّراء أممدود هو أم مقصور‏؟‏ فمده اليزيدي وقصره الكسائيّ؛ وتراضيا ببعض فصحاء كانوا بالباب، فمده على قول اليزيدي‏.‏

ومن ذلك ما رواه الأعمش في حديث عبد اللّه بن مسعود أَن رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم كان يتَخَوّلُنا بالموعظة مخافة السآمة، وكان أبو عمرو بن العلاء حاضراً عنده، فقال الأعمش‏:‏ يتخولنا، فقال أبو عمرو‏:‏ يتخوننا؛ فقال الأعمش‏:‏ وما يُدريك‏؟‏ فقال أبو عمرو‏:‏ إن شئت أن أعلمك أن اللّه تعالى لم يعلمك من العربية حرفاً أعْلَمْتُكَ، فسأل عنه الأعمش، فأخبر بمكانه من العلم؛ فكان بعد ذلك يُدْنِيه، ويسأله عن الشيء إذا أَشكل عليه‏.‏

وسُئِل الكسائي في مجلس يونس عن أَوْلق؛ ما مثاله من الفعل، فقال‏:‏ أفعل، فقال له مروان‏:‏ استحييت لك يا شيخ؛ والظاهر عندنا أنه فوعل؛ من قولهم‏:‏ أُلِقَ الرجل فهو مألوق‏.‏

وسئل الكسائي أيضاً في مجلس يونس عن قولهم‏:‏ لأضربن أيُّهم يقوم؛ لم لا يقال‏:‏ لأضربنّ أيَّهم‏؟‏ فقال‏:‏ أيّ هكذا خلقت‏.‏

ومن ذلك إنشاد الأصمعي لشُعبة بن الحجاج قولَ فَرْوَة بن مُسَيْك‏:‏

فما جبنوا أنا نشّد عليهم *** ولكن رأوا ناراً تَحُس وتَسْفع

قال شُعبة‏:‏ ما هكذا أنشدنا سماك بن حرب، قال‏:‏

ولكن رأوا ناراً تُحَش وتَسْفع ***

قال الأصمعي‏:‏ فقلت‏:‏ تحس؛ من قول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏إذْ تَحُسُّونَهُمْ بإذْنِهِ‏}‏‏:‏ أي تقتلونهم؛ وتُحش‏:‏ توقد، فقال لي شعبة‏:‏ لو فرغتُ للزمتك‏.‏

وأنشد رجل من أهل المدينة أبا عمرو بن العلاء قول ابن قيس‏:‏

إنّ الحوادثَ بالمدينةِ قد *** أوجعنني وقرعْنَ مَرْوَتيّه

فانتهره أبو عمرو وقال‏:‏ ما لنا ولهذا الشعر الرخو‏؟‏ إن هذه الهاء لم تدخل في شيء من الكلام إلاّ أرْخَته، فقال له المديني‏:‏ قاتلك اللّه؛ ما أجهلك بكلام العرب قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ‏}‏‏.‏

وقال‏:‏ ‏{‏يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ، وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ‏}‏‏.‏

فانكسر أبو عمرو انكساراً شديداً‏.‏

وقال أبو حاتم‏:‏

قلت للأصمعي‏:‏ أتجيز إنك لتُبْرق لي وتُرْعِد‏؟‏ فقال‏:‏ لا، إنما هو تبرُق وترعُد، فقلت له‏:‏ فقد قال الكميت‏:‏

أبْرق وأرْعد يا يزي *** د فما وعيدُك لي بضائر

فقال‏:‏ ذاك جُرمُقاني من أهل الموصل؛ ولا آخذ بلغته، فسألت عنها أبا زيد الأنصاري فأجازها، فنحن كذلك إذ وقف علينا أعرابيّ محرِم، فأخذنا نسأله فقال‏:‏ لستم تحسنون أن تسألوه، ثم قال له‏:‏ كيف تقول‏:‏ إنك لتُبرق لي وتُرعِد، فقال له الأعرابي‏:‏ أفي الجَخيف تعني‏؟‏ أي في التهدد؛ فقال‏:‏ نعم، قال الأعرابي‏:‏ إنك لتُبرِق لي وتُرْعِد، فعدت إلى الأصمعي فأخبرته، فأنشدني‏:‏

إذا جاوزت من ذاتِ عرْقَ ثِنّيةً *** فقل لأبي قابوس ما شئت فارْعُد

ثم قال لي‏:‏ هذا كلام العرب‏.‏

وقال أبو حاتم أيضاً‏:‏ قرأت على الأصمعي رجز العجاج حتى وصلت إلى قوله‏:‏

جَأْباً ترى بِلِيته مُسَحَّجاً ***

فقال‏:‏ تليلَه فقلت بليتِه، فقال‏:‏ ثليله مسَّحجاً فقلت له‏:‏ أخبَرَني مَن سمعه من فِلْق في رُؤْبة، أعني أبا زيد الأنصاري‏.‏

فقال‏:‏ هذا لا يكون‏.‏

قلت‏:‏ جعل مَسَحَّجاً مصدراً أي تسحيجاً‏.‏

فقال‏:‏ هذا لا يكون‏.‏

فقلت‏:‏ فقد قال جرير‏:‏

ألم تَعْلَمْ بمُسَّرَحِي القَوَافِي ***

أي تسريحي، فكأنه توقف‏.‏

قلت‏:‏ فقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّق‏}‏‏.‏ فأمسك‏.‏

وقال أبو حاتم‏:‏ كان الأصمعي ينكر زَوْجة، ويقول‏:‏ إنما هو زوج ويحتج بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجكَ‏}‏‏.‏

قال‏:‏ فأنشدته قول ذي الرُّمة‏:‏

أذو زوجة بالمِصْرِ أم ذو خصومة *** أراك لها بالبَصْرَة اليومَ ثَاوِياً

فقال‏:‏ ذو الرُمة طالما أكل المالح والبقل في حوانيت البقالين‏.‏

قال‏:‏ وقد قرأنا عليه من قبل لأَفصح الناس فلم ينكره‏:‏

فبكى بناتي شَجْوَهُنَّ وزوجتي *** والطامعون إليّ ثم تصدّعوا

وقال آخر‏:‏

مِنْ منزلي قد أخرجتني زوجتي *** تهِرّ في وجهي هَرِير الكلْبِة

وحكى أبو عبد اللّه محمد بن العباس اليزيدي عن أحمد بن يحيى عن سلمة قال‏:‏ حضر الأصمعي وأبو عمرو الشيباني عند أبو السَّمْراء فأنشده الأصمعي‏:‏

بضرب كآذان الفِراء فضولُه *** وطعن كتَشْهاقِ العَفَاهمّ بالنَّهْقِ

ثم ضرب بيده إلى فَرْو كان بقُرْبِه يوهم أن الشاعر أراد فرواً؛ فقال أبو عمرو‏:‏ أراد الفَرْوَ فقال الأصمعي‏:‏ هكذا روايتكم‏.‏

وحكى الأصمعي قال‏:‏ دخلت على حماد بن سلمة وأنا حَدَث فقال لي كيف تنشد قول الحطيئة‏:‏ أولئك قوم إن بنوا أَحْسَنُوا ماذا‏؟‏ فقلت‏:‏

أولئك قوم إن بَنَوْا أحسنوا البِنَا *** وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدّوا

فقال‏:‏ يا بني، أحسنوا البُنَى، يقال‏:‏ بني يبني بِنَاءً في العمران، وبنى يبنو بُنىً؛ يعني في الشرف‏.‏

وأخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن القاسم الذهبي بإسناد عن أبي عثمان أنه كان عند أبي عبيدة؛ فجاء رجل فسأله‏:‏ كيف تأمر من قولنا‏:‏ عُنيت بحاجتك، فقال له أبو عبيدة اعْنَ بحاجتي، فأومَأْتُ إلى الرجل أن ليس كذلك، فلما خَلَوْنا قلت له‏:‏ إنما يقال لِتُعْنَ بحاجتي، فقال لي أبو عبيدة‏:‏ لا تدخل عليّ، قلت‏:‏ لِمَ‏؟‏ قال‏:‏ لأنك كنت مع رجل خوزي سرق مني عاماً أول قطيفة لي، فقلت‏:‏ لا واللّه، ما الأمر كذا، ولكنك سمعتني أقول ما سمعت‏.‏

وحدثنا أبو بكر محمد بن علي المراغي قال‏:‏ حضر الفراء أبا عمر الجَرمي فأكثر سؤاله إياه، فقيل لأبي عمر‏:‏ قد أطال سؤالك؛ أفلا تَسْأَلُه أنت‏؟‏ فقال له أبو عمر‏:‏ يا أبا زكرياء؛ ما الأصلُ في قُمْ‏؟‏ قال‏:‏ اقْوُم، قال‏:‏ فصنعوا ماذا‏؟‏ قال‏:‏ استثقلوا الضمة على الواو فأسكنوها ونقلوها إلى القاف، فقال له أبو عمر‏:‏ هذا خطأ، الواو إذا سكن ما قبلها جرت مجرى الصحيح، ولم تستثقل الحركات فيها‏.‏

ومن ذلك حكاية أبي عمر مع الأصمعي وقد سمعه يقول‏:‏ أنا أعلم الناس بالنحو، فقال له لأصمعي‏:‏ يا أبا عمر كيف تنشد قول الشاعر‏:‏

قد كنَّ يخبأْنَ لوجُوه تستُّراً *** فالآنَ حين بَدَأْنَ للنُّظَّارِ

بدأن أو بدين‏؟‏ فقال أبو عمر‏:‏ بدأن، فقال الأصمعي‏:‏ يا أبا عمر، أنت أعلم الناس بالنحو‏!‏ يمازحه، إنما هو بَدَوْن، أي ظهرن، فيقال‏:‏ إن أبا عمر تغفل الأصمعي فجاءه يوماً وهو في مجلسه فقال له‏:‏ كيْف تصغر مختاراً‏؟‏ فقال الأصمعي‏:‏ مخيتير، فقال له عمر‏:‏ أخطأت، إنما هو مخيِّر أو مخيير بحذف التاء لأنها زائدة‏.‏

وحدثني أبو علي قال‏:‏ اجتمعت مع أبي بكر الخياط عند أبي العباس العمري بنهر معقل، فتجارينا الكلام في مسائل وافترقنا، فلما كان الغدُ اجتمعت معه عنده، وقد أحضر جماعةً من أصحابه يسألونني، فسألوني فلم أر فيهم طائلاً، فلما انقضى سؤالهم قلت لأكبرهم‏:‏ كيف تبني من سفرجل مثل عَنْكَبُوت فقال سفرروت، فلما سمعت ذلك قمت في المجلس قائماً وصفقت بين الجماعة‏:‏ سفرروت فالتفت إليهم أبو بكر فقال‏:‏ لا أحسن اللّه جزاءكم، ولا أكثر في الناس مثلكم؛ فافترقنا فكان آخر العهد بهم‏.‏

وقال الرياشي‏:‏ حدثنا الأصمعي قال‏:‏ ناظرني المفضل عند عيسى بن جعفر فأنشد بيت أوس‏:‏

وذاتُ هِدْمٍ عَارٍ نَوَاشِرُه *** تُصِمت بالماء تَوْلباً جَذَعاً

فقلت‏:‏ هذا تصحيف لا يوصف التَّوْلَب بالإجذاع، وإنما هو جَدِعاً وهو السيء الغذاء؛ فجعل المفضل يشغب، فقلت له‏:‏ تكلّم كلام النمل وأصب، لو نفخت في شَبُّور يَهُودِي ما نفعك شيء‏.‏

وقال محمد بن يزيد‏:‏ حدثنا أبو محمد التوّزي عن أبي عمرو الشيباني قال‏:‏ كنا بالرَّقة فأنشد الأصمعي‏:‏

عَنَتا باطلاً وظلماً كما تُع *** نَز عن حُجْرة الرَّبِيضِ الظِّبَاءُ

فقلت‏:‏ يا سبحان اللّه تعتر من العَتيرة؛ فقال الأصمعي‏:‏ تعنز؛ أي تطعن بعَنَزة، قال‏:‏ فقلت لو نفخت في شَبُّور اليهودي وصِِحْتَ إلى التنادي ما كان إلاّ تُعتر، ولا ترويه بعد اليوم تعنز فقال‏:‏ واللّه لا أعود بعدها إلى تعتر‏.‏

وأنشد الأصمعي أبا توبة ميمون بن حفص مؤدب عمر بن سعيد بن سلم بحضرة سعيد‏:‏

واحدة أَعضَلَكم شَأْنُها *** فكيفَ لو قُمْت على أَرْبَع

ونهض الأصمعي فدار على أَربع، يُلبِّس بذلك على أبي توبة؛ فأجابه أبو توبة بما يشاكل فعل الأصمعي، فضحك سعيد‏:‏ وقال‏:‏ ألم أنْهَك عن مجاراته في هذه المعاني‏!‏ هذه صِنَاعته‏.‏

ومن ذلك إنكار الأصمعي على ابن الأعرابي ما كان رواه ابن الأعرابي لبعض ولد سعيد بن سلم بحضرة سعيد بن سلم لبعض بني كلاب‏:‏

سمينُ الضواحي لم تُؤَرِّقْهُ ليلةً *** وأنعَمَ أبكارُ الهموم عُونُها

ورفع ابن الأعرابي ليلة، ونصبها الأصمعي، وقال‏:‏ إنما أراد لم تؤرقه أبكار الهموم وعونها ليلةً، وأنعم أي زاد على ذلك، فأُحضر ابن الأعرابي، وسئل عن ذلك فرفع ليلة، فقال الأصمعي لسعيد‏:‏ مَن لم يحسن هذا القدر فليس موضعاً لتأديبِ ولدك فنحَّاه سعيد؛ فكان ذلك سبب طعن ابن الأعرابي على الأصمعي‏.‏

وقال الأثرم عليّ بن المغيرة‏:‏ مثقل استعان بذقنه ويعقوب بن السكيت حاضر، فقال يعقوب‏:‏ هذا تصحيف، وإنما هو استعان بدَفَّيْه، فقال الأثرم‏:‏ إنه يريد الرياسة بسرعة ودَخَل بيته‏.‏

وقال أبو الحسن لأبي حاتم‏:‏ ما صنعتَ في كتاب المذكر والمؤنث‏؟‏ قال قلت‏:‏ قد صنعت فيه شيئاً، قال‏:‏ فما تقول في الفِرْدوس‏؟‏ قلت‏:‏ مذكر، قال‏:‏ فإن اللّه تعالى يقول‏:‏ ‏{‏الَّذِين يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ‏}‏‏.‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ ذهب إلى الجنة فأَنَّث، قال أبو حاتم‏:‏ فقال لي التوّزي‏:‏ يا غافل، ما سمعت الناس يقولون‏:‏ أسألك الفردوس الأعلى‏؟‏ فقلت له‏:‏ يا نائم؛ الأعلى ههنا أفعل لا فُعْلى‏!‏ وقال أبو عثمان‏:‏ قال لي أبو عبيدة‏:‏ ما أكذب النحويين يقولون‏:‏ إن هاء التأنيث لا تدخل على ألف التأنيث‏:‏ سمعت رُؤْبَة ينشد‏:‏

فكر في عَلْقي وفي مُكور ***

فقلت له‏:‏ ما واحد العَلْقى‏؟‏ فقال‏:‏ علقاة قال أبو عثمان‏:‏ فلم أفسر له، لأنه كان أغلظ من أن يفهم مثل هذا‏.‏

انتهى ما أورده ابن جنى‏.‏

خاتمة‏:‏

ذكر المحدِّثون أن من أنواع التصحيف‏:‏ التصحيف في المعنى‏.‏

وقال ابن السكيت‏:‏ يقال‏:‏ ما أصابتنا العَامَ قَابة؛ أي قَطْرة من مطر، قال‏:‏ وكان الأصمعي يصحّف في هذا ويقول‏:‏ هو الرعد، وكذا ذكر التِّبريزي في تهذيبه، وتعقّب ذلك بعضهم فقال‏:‏ لا يُسَمَّى هذا تصحيفاً، وهو إلى الغلط أقرب‏.‏

ذكر بعض ما أخذ على كتاب العين

من التصحيف

قال أبو بكر الزبيدي في استدراكه‏:‏ ذَكر في باب همع‏:‏ الهِمِيْع‏:‏ الموت، فصحّفه؛ والصواب الهِميْغ بالغين المعجمة‏.‏

وذكر في باب قفع‏:‏ القُفَاعيّ من الرجال‏:‏ الأحمر، وهو غلط، والصواب فُقَاعيّ، يقال‏:‏ هو أحمر فُقَاعيّ للذي يُخَالِط حمرتَه بياض‏.‏

وذكر في باب عنك‏:‏ عَرَق عانك‏:‏ أصفر، والصواب عاتك‏.‏

وذكر في باب زعل‏:‏ الزُّعلول‏:‏ الخفيف من الرجال، وإنما هو الزُّغلول بالغين المعجمة عن أبي عمرو الشيباني، وذكر في باب معط‏:‏ المُمَعّط‏:‏ الطويل، والصواب المُمغَّط بالغين المعجمة‏.‏

وذكر في باب ذعر‏:‏ ائذعرّ القوم‏:‏ تفرقوا، والمعروف ابْذَعرّ بالباء، والذي ذكر تصحيف، وذكر في باب عفر‏:‏ مَعافر العرفط‏:‏ شيء يخرج منها مثل الصمغ، وإنما هي المغافير بالغين معجمة‏.‏

وذكر في باب معر‏:‏ رجل أَمْعَر الشعر؛ وهو لون يَضْرِب إلى الحمرة، والصواب أمغر، مشتق من المَغْرة، وذكر في باب وَعق‏:‏ الَوَعِيق‏:‏ صوت قُنْب الدابة، وإنما هو الوغيق بالغين معجمة، رويناه عن إسماعيل مُسْنَداً إلى اللِّحياني‏.‏

وذكر في باب عسو‏:‏ عسا الليل‏:‏ أظلم، وإنما هو غسا بالغين معجمة‏.‏

وذكر في باب الرباعي‏:‏ عَلْهَضْتُ رأس القارورة والرجل‏:‏ عالجته، والصواب بالصاد غير معجمة‏.‏

وذكر في باب حنك‏:‏ يقال للعود الذي يضم العَرَاصِِيف حُنْكة وحِناك، والرواية عن أبي زيد حُبْكة وحِباك فيما أخبرني به إسماعيل، وروى أبو عبيد بالنون فصحَّف كتصحيف صاحب العين‏.‏

وذكر في باب جَحل‏:‏ الجَحل‏:‏ أولاد الإبل، وهو غلط، إنما هو الحجل بالحاء قبل الجيم‏.‏

وذكر في باب لحص‏:‏ التَّلحيص‏:‏ استقصاء خبر الشيء وبيانه، وإنما هو التَّلْخِيص بالخاء المعجمة‏.‏

وأنشد في باب حصف للأعشى‏:‏ والصواب‏:‏ مخصوفة بالخاء معجمة، يعني سَوْداَء كثيفة، وذكر في باب سحب‏:‏ السَّحْب‏:‏ شدة الأكل والشرب، وإنما هو السَّحْت‏.‏

وذكر في باب حزل‏:‏ الاحتزال‏:‏ الاحتزام بالثوب، وهو باللام غلط، إنما هو الاحتزاك- عن أبي عمرو الشيباني‏.‏

وذكر في باب حذل‏:‏ الحُذَال‏:‏ شيء يخرج من السمن؛ وهو غلط، والصواب شيء يخرج من السَّمُر كالدم؛ والعرب تسميه حيض السَّمُر‏.‏

وذكر في باب حثل‏:‏ المحثئل‏:‏ الذي غضب وتنفَّش للقتال، وإنما هو المجثئلّ بالجيم عن الأصمعي‏.‏

وذكر في باب حبر‏:‏ الحبير‏:‏ زبد اللُّغَام، وإنما هو الخبير بالخاء المعجمة‏.‏

وذكر في باب بحر‏:‏ بنات بحر‏:‏ ضَرْبٌ من السحاب، والصواب بنات بخر وبنات مخر عن أبي عمرو‏.‏

وذكر في باب مرح‏:‏ مَرّحْت الجلد‏:‏ دهنته؛ قال الطِّرِمَّاح‏:‏

سَرَتْ في رَعِيلٍ ذي أَدَاوَي مَنُوطَةٍ *** بِلَبَّاتِها مَدْبُوغَةٍ لم تُمَرّح

وإنما هو مَرَخْتَ الجلد‏.‏

والبيت من قصيدة قافيتها على الخاء المعجمة وبعده‏:‏

إذا سَرْبَخٌ غَطَّتْ مجالَ سَرَاتهِ *** تمطَّتْ فحطّت من ارجاء سَرْبَخ

والسَّرْبخ‏:‏ الأرض الواسعة‏.‏

وذكر في باب حوت‏:‏ الحَوْتُ والحَوَتَان‏:‏ حومان الطائر، والصواب بالخاء المعجمة‏.‏

وذكر في باب الرباعي‏:‏ الزحزبّ‏:‏ الذي قوي واشتد وغَلُظ؛ والصواب بالخاء المعجمة‏.‏

وذكر في باب كهم‏:‏ الكَهْكامة‏:‏ المتهيّب؛ قال الهُذَلِيّ‏:‏

ولا كَهْكامَة بَرَمٌ *** إذا ما اشتدت الحِقَب

وإنما هو الكَهْكاهة بالهاء وكذا هو في البيت عن أبي عبيد وغيره‏.‏

وذكر في باب همس‏:‏ الهَمْسَة‏:‏ الكلام والحركة، وإنما هي بالشين المعجمة‏.‏

وذكر في باب هزأ‏:‏ هَزَأَه البرد‏:‏ إذا أصابه في شدة، والصواب هَرَأه، بالراء، والزاي تصحيف‏.‏

وذكر في باب الرباعي‏:‏ القُرْهد‏:‏ الناعم التَّارّ، وإنما هو الفُرْهد بالفاء‏.‏

وذكر في باب خف‏:‏ الخَفَّانة‏:‏ النعامة السريعة، والمعروف الحَفَّان‏:‏ صِِغَار النَّعَام بالحاء غير المعجمة- عن الأصمعي، واحدته حَفَّانَة‏.‏

وذكر في باب فخ‏:‏ الفَخِيخ‏:‏ صوت الأفعى؛ وإنما هو بالحاء غير المعجمة‏.‏

وذكر في باب قلخ‏.‏

القَلَخ في الأسنان‏:‏ الصفرة التي تعلوها، وإنما هو بالحاء غير المعجمة‏.‏

وذكر في باب لخج‏:‏ اللخَج‏:‏ أسوأ الغَمَص وإنما هو اللحَج بالحاء غير المعجمة وذكر في باب خجب‏:‏ جخْجَبي‏:‏ قبيلة من الأنصار؛ وإنما هو بالحاء غير المعجمة‏.‏

وذكر في باب خشب‏:‏

الأخْشَب من الرجال‏:‏ الذي لم يُحْلَق عنه شعره؛ وإنما هو الأحسب بالحاء والسين غير معجمتين‏.‏

وذكر في باب فضخ‏:‏ انْفَضَخَت القُرْحة إذا انفتحت؛ والصواب بالجيم‏.‏

وذكر في باب خصل‏:‏ المِخْصَل‏:‏ القطَّاع وإنما هو بالضاد المعجمة عن أبي عبيد‏.‏

وذكر في باب خصب‏:‏ الخِصْب‏:‏ حية بيضاء؛ وهي الحِضْب بالحاء غير المعجمة والضاد المعجمة عن أبي حاتم‏.‏

وذكر في باب ختر‏:‏ الخِيتار‏:‏ الجوع الشديد؛ وهو الخِنْتار بالنون عن الأصمعي‏.‏

وذكر في باب مَيخ‏:‏ مَاخ يمَيخ مَيْخاً‏:‏ تَبَخْتَر؛ والصواب مَاح بالحاء غير المعجمة‏.‏

وذكر في باب توخ‏:‏ تَاخَت الإصبع تَتُوخ توْخاً في الشيء الرخو، والمعروف بالثاء المثلثة‏.‏

وذكر في باب الرباعي‏:‏ المُخْرَنفِش‏:‏ المغتاظ؛ وهو بالحاء غير المعجمة عن الأصمعي‏.‏

وذكر المُخْرَنْمِش‏:‏ الساكت، وهو بالسين غير المعجمة‏.‏

وذكر في غش‏:‏ لقيته غُشَيْشَان النهار، والصواب بالعين غير المعجمة؛ تصغير العَشِيّ‏.‏

وذكر في باب فدغ‏:‏ الفَدَغ‏:‏ الْتِواء في القَدَمِ، وهو بالعين غير المعجمة‏.‏

وذكر في باب غبث‏:‏ الغبِيثَة‏:‏ طعام يُطْبَخ ويجعل فيه جراد؛ وهي العبيثة بالعين غير المعجمة، عن الآمدي‏.‏

وذكر في باب رغل‏:‏ رَغَلها رَغْلاً‏:‏ رضعها في عَجَلَةٍ، والصواب بالزاي عن أبي زيد، وقد صحّف أبو عبيد هذا الحرف أيضاً‏.‏

وذكر في باب رغم‏:‏ الرَّغام‏:‏ ما يسيل من الأنف، وهو بالعين غير المعجمة عن أبي زيد‏.‏

وذكر في باب غلم‏:‏ الغَيْلم‏:‏ مَنْبَع الماء في الآبار، وهو بالعين غير المعجمة عن الفرَّاء والآمدي‏.‏

وذكر في باب غسو‏:‏ شيخ غَاسٍ‏:‏ طال عمره، والمعروف بالعين غير المعجمة‏.‏

وذكر في باب الرباعي‏:‏ الغَمَلّس‏:‏ الخبيث الجريء؛ وهو بالعين غير المعجمة عن أبي عمرو بن العلاء‏.‏

وذكر في قشذ‏:‏ القِشْذَة‏:‏ الزُّبدة؛ وهي بالدال غير المعجمة، عن الكسائي‏.‏

وذكر في باب قتل‏:‏ القِتْوَلُّ من الرجال‏:‏ العَيي وهو بالثاء المثلثة عن أبي زيد‏.‏

وذكر في باب ذلق‏:‏ ضَبٌّ مَذْلوق‏:‏ مستخرج من جُحْره؛ والصواب بالدال غير المعجمة‏.‏

وذكر في باب المضاعف‏:‏ أن الفِعالة من القوة قِوَاية وأنشد‏:‏

ومَالَ بأعناق الكَرى غالباتُهُ *** فإني على أمر القِواية حَازِمُ

وهذا تصحيف، أنشدنيه إسماعيل فإني على أمر الغِوَاية‏.‏

وذكر في باب قبأ‏:‏ قبِئت من الشراب وقَبأت‏:‏ إذا امتلأت، والصواب قئبت بتقديم الهمزة على الباء عن الفراء‏.‏

وذكر في باب وقظ‏:‏ الوَقْظ‏:‏ حوض لا أعضاد له يجتمع فيه ماء كثير؛ والمعروف بالطاء غير المعجمة‏.‏

وذكر في قنو‏:‏ قانيت الرجل‏:‏ دَانَيْتُه، والصواب بالفاء‏.‏

وذكر في باب نشظ‏:‏ النَّشْظ‏:‏ اللسع في سرعة واختلاس؛ وهو بالطاء غير المعجمة‏.‏

وذكر في باب ضم‏:‏ الضِّم والضمضام‏:‏ الداهية الشديدة، وأحسبه تصحيفاً؛ لأنه يقال للداهية الشديدة‏:‏ صمصام وصمى بالصاد غير المعجمة‏.‏

وذكر في باب ضيأ‏:‏ ضيَّأَت المرأة‏:‏ كثر ولدها، وهو عندي غلط؛ والصواب ضَنَأت‏.‏

وذكر في باب سدف‏:‏ السَّدف‏:‏ سواد الشخص؛ وهو بالشين المعجمة‏.‏

وذكر في باب نسف‏:‏ النَّسْفة‏:‏ حجارة ينسف بها الوسخ عن القدم، وهو بالشين المعجمة عن أبي عمرو‏.‏

وذكر في باب ترم‏:‏ التَّرَم‏:‏ شدة العض؛ وهو بالباء، ولا أعرف الترم‏.‏

وذكر في باب درب‏:‏ الدَّرَب‏:‏ فساد المعدة؛ وهو بالذال المعجمة‏.‏

وذكر في باب نتم‏:‏ أَنْتَم الشيخ؛ إذا كبر ووَلّى؛ والصواب بالثاء المثلثة‏.‏

وذكر في باب ربذ‏:‏ شيء ربيذ‏:‏ بعضُه على بعض؛ والصواب رثيد بالثاء؛ من قولك رثدت المتاع‏.‏

وذكر في باب ذنب‏:‏ الذِّنَّب والذِّنَّابة‏:‏ القصير، وهو بالدال غير المعجمة عن الفراء‏.‏

وذكر في باب ذرأ‏:‏ ذَرَأْت الوضين‏:‏ بسطته على الأرض، والصواب درأته بالدال غير المعجمة‏.‏

هذا غالب ما ذكر أنه صحَّف فيه صاحب كتاب العين‏.‏

ذكر ما أخذ على صاحب الصِّحاح من التصحيف

أنشد على الدبدبة بموحدتين‏:‏

عَاثور شرٍّ أيما عاثُور *** دبدبة الخيلِ على الجسور

قال التِّبريزي‏:‏ الصواب دَنْدنة بنونين وهو أن تسمع من الرجل نغمة ولا تفهم ما يقول، ومنه الحديث‏:‏ لا أحسن دَنْدنتك ولا دندنة مُعاذ، وكان أبو محمد الأسود ينشد هذا البيت استشهاداً على ذلك‏.‏

قال الجوهري الذُّنابي‏:‏ شبه المخاط يقع من أنوف الإبل‏.‏

قال ابن بَرِّي‏:‏ هكذا في الأصل بخط الجوهري؛ وهو تصحيف والصواب الذُّنانَى بالنون‏.‏ وهكذا قرأناه على شيخنا أبي أسامة جنادة بن محمد الأزدي، وهو مأخوذ من الذنين؛ وهو الذي يسيل من أنف الإنسان والمعزي‏.‏

قال الجوهري‏:‏ اللَّجِز‏:‏ مقلوب اللَّزِج، وأنشد لابن مُقْبل‏:‏

يَعْلُون بالمردَقُوش الوَرْد ضاحِيةً *** على سعابِيبِ ماء الضَّالة اللَّجز

قال في القاموس‏:‏ هذا تصحيف فاضح، والصواب في البيت اللَّجِن بالنون والقصيدة نونية‏.‏

قال الجوهري‏:‏ احتَقَّ الفرس؛ أي ضمر‏.‏

قال التَّبريزي‏:‏ هذا تصحيف، والصواب أحْنَق الفرس بالنون على أفعل إذا ضَمُر ويبس، ويقال ذلك أيضاً لغير الفرس من ذوات الحوافر والخُفّ، وخيل محانِق ومحانيق إذا وصفت بالضمر، وفرس محنِق بكسر النون، وقال بعض أهل اللغة‏:‏ احتقّ المال بالتاء على افتعل؛ إذا سمن وأثرى سِمَنه، وحَقّت الماشية من الربيع واحتقَّت؛ إذا سمنت منه، انتهى‏.‏

قال الجوهري‏:‏ والعَانِك‏:‏ الأحمر؛ يقال‏:‏ دَمٌ عَانِك، وقال الأزهري‏:‏ هذا تصحيف؛ وإنما هو بالتاء في صفة الحمرة‏.‏

قال الجوهري‏:‏ نقتُّ المخ أَنْقُته نَقْتاً، لغة في نَقَوْته إذا استخرجته؛ كأنهم أبدلوا الواو تاء‏.‏

قال أبو سهل الهَروي‏:‏ الذي أحفظه نَقَثْت العظم أَنْقثه نقثاً، إذا استخرجت مخه وانتقثه انتقاثاً بالثاء المعجمة بثلاث نقط من فوق، ويقال أيضاً نقيته أنقيه، وانتقيته انتقاء مثله بياء بنقطتين من تحت‏.‏

قال الجوهري‏:‏ تَنَجْنج لحم الرجل‏:‏ كَثُر واسترخى‏.‏

قال أبو سهل‏:‏ هذا تصحيف والصواب تَبَجْبَجَ بباءين‏.‏

قال الجوهري‏:‏ رجل شِرْدَاخ القدم؛ أي عظيمها عريضها‏.‏

قال الهروي‏:‏ هذا تصحيف وإنما هو شِرْدَاح بحاء غير معجمة قال التِّبريزي‏:‏ الصحيح بالمعجمة كما قال الجوهري، والهروي هو الذي صحّف‏.‏

قال الجوهري‏:‏ رجل قُتَرِد وقُتَارِد ومُقترد؛ إذا كان كثير الغنم والسِّخال عن أبي عبيد‏.‏

قال الهروي‏:‏ الذي أحفظه قُثَرِد بضم القاف وفتح الثاء المثلثة وكسر الراء وهو مقصور من قثارد ومقثرد بالثاء معجمة بثلاث نقط فيها كلها‏.‏

وكذلك قرأتها على شيخنا أبي أسامة في الغريب المصنف؛ وكذلك أيضاً وجدته بخطِّ أبي موسى الحامض‏.‏

قال الجوهري‏:‏ الجَيْذَر‏:‏ القصير‏.‏

قال الهروي‏:‏ هذا تصحيف، والصواب الجيدَر بالدال غير معجمة‏.‏

قال الجوهري‏:‏ وَطْب جَشِر؛ أي وسخ‏.‏

قال الهروي‏:‏ هذا تصحيف؛ وإنما هو حَشِر، بحاء غير معجمة‏.‏

قال الجوهري‏:‏ والحَبير‏:‏ لُغَامُ البعير‏.‏

قال الهروي‏:‏ هذا تصحيف والصواب الخبير بالخاء المعجمة‏.‏

قال الجوهري‏:‏ العرارة‏:‏ اسم فرس قال الشاعر‏:‏

تسائلني بنو جُشَمِ بن بكرٍ *** أَغرّاء العَرَارة أم بَهِيمُ

قال الهروي‏:‏ هذا تصحيف في اللفظ والبيت معاً؛ والصواب العَرادة بالدال‏.‏

وفي القاموس‏:‏ قول الجوهري‏:‏ فابهَتي عليها، أي فابهيتها- لأنه لا يقال بَهَت عليه- تصحيف، والصواب فانْهَتِي عليها بالنون لا غير‏.‏

وفيه‏:‏ شاح الفرس بذنبه، صوابه بالسين المهملة، وصحَّفَه الجوهري‏.‏

وفيه‏:‏ شَمْخ بن فَزارة بالخاء بطن، وصحّف الجوهري في ذكره بالجيم‏.‏

وفيه‏:‏ قول الجوهري إذا كانت الإبل سِمَاناً قيل‏:‏ بها زِرّة، تصحيف قبيح، وتحريف شنيع، وإنما هي بَهازرَة على مثال فَعَالِلَة‏.‏

قال أبو أحمد العسكري في كتاب التصحيف، وقد ذكر ما يشكل ويصحف من أسماء الشعراء فقال‏:‏

وهذا باب صَعْبٌ لا يكاد يضبطه إلاّ كثيرُ الرواية غزير الدِّرَاية، وقال لي أبو الحسن علي بن عبدوس الأرّجاني، وكان فاضلاً متقدماً، وقد نظر في كتابي هذا فلما بلغ إلى هذا الباب قال لي‏:‏ كم عدة أسماء الشعراء الذين ذكرتهم‏؟‏ قلت‏:‏ مائة ونيّف، فقال‏:‏ إني لأعجب كيف استتبّ لك هذا فقد كنا ببغداد والعلماء بها متوفرون- وذكر أبا إسحاق الزجاجي، وأبا موسى الحامض، وأبا بكر بن الأنباري واليزيدي وغيرهم- فاختلفنا في اسم شاعر واحد وهو حريث بن محفض، وكتبنا أربع رقاع إلى أربعة من العلماء، وأجاب كل واحد منهم بما يخالف الآخر، فقال بعضهم‏:‏ مخفض بالخاء والضاد المعجمتين وقال بعضهم‏:‏ محفص بالحاء والصاد غير معجمتين وقال آخرون‏:‏ ابن محيصن، فقلنا‏:‏ ليس لهذا إلاّ أبو بكر بن دريد، فقصدناه في منزله، وعرفناه ما جرى، فقال ابن دريد‏:‏ أين يذهب بكم هذا مشهور وهو جريث بن مُحفّض بالحاء غير معجمة مفتوحة والفاء مشددة والضاد منقوطة وهو من بني تيم، تيم بني مازن، وتمثَّل الحجاج بشعره على المنبر‏.‏

قال أبو الحسن بن عبدوس‏:‏ فلم يفرج عنا غيره‏.‏

قال العسكري‏:‏ واجتمع يوماً في منزلي بالبَصْرِة أبو رياش وأبو الحسين بن لَنْكك فتَقاوَلاَ، فكان فيما قال أبو رياش لأبي الحسين‏:‏ أنت كيف تحكم على الشعر والشعراء وليس تفرق بين الرَّقَبَان والزَّفَيَان، فأجاب أبو الحسين، ولم يقنع ذاك أبا رياش، وقاما على شغب، قال العسكري‏:‏ فأما الرَّقَبان بالراء والقاف وتحت الباء نقطة فشاعر جاهلي قديم، يقال له‏:‏ أشْعَر الرَّقَبان، أما الزَّفَيان بالزاي والفاء وتحت الياء نقطتان فهو من بني تميم يعرف بالزَّفيان، وكان على عهد جعفر بن سليمان، وهو الزّفيان بن مالك بن عوانة، قال‏:‏ وذكر أبو حاتم آخر يقال له الزَّفيان؛ وأنه كان مع خالد بن الوليد حين أقبل من البَحْرَيْنِ، انتهى‏.‏

النوع الرابع والأربعون‏:‏ معرفة الطبقات والحفاظ والثقات والضعفاء

قد ألّف في ذلك الكثير‏.‏

فمن ذلك‏:‏ طبقات النحاة لأبي بكر الزبيدي، وطبقات النحاة البصريين لأبي سعيد السِّيرافي، ومراتب النحويين لأبي الطيب اللغوي‏.‏

قال أبو الطيب اللغوي في كتاب مراتب النحويين‏:‏ قد غلب الجهل وفَشَا، حتى لا يدري المتصدر للعلم من رَوَى ولا من رُوِي عنه، ولا مِنْ أين أخذ علمه، وحتى إن كثيراً من أهل دهرنا لا يفرقون بين أبي عُبيدة وأبي عُبيد، وبين الشيء المنسوب إلى أبي سعيد الأصمعي أو أبي سعيد السكَّري أو أبي سعيد الضرير، ويحكون المسألة عن الأحمر، فلا يدرون‏:‏ أهو الأحمر البصري، أو الأحمر الكُوفِي، ولا يصلون إلى العلم بمزية ما بين أبي عمرو بن العلاء وأبي عمرو الشيباني، ولا يفصلون بين أبي عمر عيسى بن عمر الثقفي وبين أبي عمر صالح بن إسحاق الجَرمي، ويقولون‏:‏ قال الأخفش، فلا يفرقون بين أبي الخطاب الأخفش وأبي الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش البَصريَّيْن وبين أبي الحسن علي بن المبارك الأخفش الكوفي وأبي الحسن علي بن سليمان الأخفش صاحب محمد بن يزيد وأحمد بن يحيى، وحتى يظن قوم أن القاسم بن سلاَّم البغدادي ومحمد بن سلاَّم الجُمَحي صاحب الطبقات أخوَان‏.‏

ولقد رأيت نسخةً من كتاب الغريب المصنف وعلى ترجمته تأليف أبي عبيد القاسم بن سلاّم الجمحي، وليس أبو عبيد بجُمحي ولا عربي وإنما الجمحي محمد مؤلف كتاب طبقات الشعراء، وأبو عبيد في طبقة من أخذ عنه؛ إلى غير هذا إلى أن قال‏:‏

واعلم أن أكثر آفات الناس الرؤساء الجهال، والصدور الضلال، وهذه فتنةُ الناس على قديم الأيام وغابر الأزمان، فكيف بعَصْرِنا هذا، وقد وصلنا إلى كدر الكدر وانتهينا إلى عكر العكر، وأُخِذ هذا العلم عَمّن لا يعلم ولا يحسّ ولا يفقه، يفهم الناس ما لا يفهم، ويعلمهم عن نفسه وهو لا يعلم، يتقلَّد كل علم ويدعيه، ويركب كل إفك ويحكيه، ويجهل ويَرَى نفسه عالماً، ويعيب مَنْ كان من العيب سالماً، ثم لا يرضى بهذا حتى يعتقد أنه أعلم الناس، ولا يُقْنِعه ذلك حتى يظنّ أن كل من أخذ عنه هذا العلم لو حشروا لاحتاجوا إلى التعليم منه، فهو بلاء على المتعلمين، وَوَبالٌ على المتأدبين؛ ولقد بلغني عن بعض من يختصّ بهذا العلم ويرويه، ويزعم أنه يُتقنه ويَدْرِيه أنه أسند شيئاً فقال عن الفراء عن المازني، فظن أن الفراء الذي هو بإزاء الأخفش كان يروي عن المازني وحدث عن آخر أنه روى مناظرة جرت بين ابن الأعرابي والأصمعي وهما ما اجتمعا قط، وابنُ الأعرابي بإزاء غلمان الأصمعي، وإنما كان بَرَدُّ عليه بعد، وحريّ بمن عَمِي عن معرفة قوم أن يكونَ عن علومهم أعمى وأضلّ سبيلاً‏:‏ قال فَرَسمتُ في هذا الكتاب ما يفتح القفلة، ولا يسع العقلاء الجهل به‏:‏ ثم قال واعلم أنَّ أول ما اختل من كلام العرب وأحوج إلى التعلم الإعراب، لأن اللَّحْنَ ظهر في كلام الموالي والمتعربين من عهد النبي، فقد روينا أن رجلاً لحن بحضرته فقال‏:‏ أرْشِدُوا أخاكم فقد ضلّ‏.‏

وقال أبو بكر‏:‏ لأن أقرأ فأُسْقِط أحبُّ إليَّ من أن أقرأ فألحن‏.‏

وقد كان اللَّحنُ معروفاً، بل قد روينا من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ أنا مِنْ قريش ونشأت في بني سعد فأنَّى لي اللحن‏!‏ وكتب كاتب لأبي موسى الأشعري إلى عمر فلحن، فكتب إليه عمر‏:‏ أن اضرِبْ كاتبك سوطاً واحداً، وكان عليّ بن المديني لا يغيِّر الحديثَ وإن كان لحناً إلاّ أن يكون من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، فكأنه يُجَوِّز اللحن على مَنْ سواه‏.‏

ثم كان أول من رسم للناس النحو أبو الأسود الدؤلي، وكان أبو الأسود أخذ ذلك عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه، وكان أعلم الناس بكلام العرب؛ وزعموا أنه كان يجيب في كل اللغة‏.‏

قال أبو الطيب‏:‏ ومما يدل على صحة هذا ما حدثنا به محمد بن عبد الواحد الزاهد‏:‏ أخبرنا أبو عمرو بن الطُّوسي عن أبيه عن اللَّحيانيِّ في كتاب النوادر قال‏:‏ حدثنا الأصمعي قال‏:‏ كان غلام يطيف بأبي الأسود الدؤلي يتعلَّم منه النحو، فقال له يوماً‏:‏ ما فعل أبوك‏؟‏ قال‏:‏ أخذته حمى فضخته فضخاً، وطبخته طبخاً، وفنخته فنخاً، فتركته فرخاً، قال‏:‏ فما فعلت امرأةُ أبيك التي كانت تشارُّه وتجارُّه وتضارّه وتزارّه وتهارّه وتمارّه‏؟‏ قال‏:‏ طلقها وتزوج غيرها، فحظيت عنده ورضيت وبظيت، قال‏:‏ وما بظيت يا بنَ أخي‏؟‏ قال‏:‏ حرف من العربية لم يبلغْك، قال‏:‏ لا خيرَ لك فيما لم يبلغْني منها‏.‏

وأبو الأسود أولُ من نقط المصحف، واختلف الناس إلى أبي الأسود يتعلمون منه العربية، وفرَّع لهم ما كان أصله، فأخذ ذلك عنه جماعة‏.‏

قال أبو حاتم‏:‏ تعلَّم منه ابنه عطاء بن أبي الأسود، ثم يحيى بن يَعْمَرَ العدواني، كان حليف بني ليث، وكان فصيحاً عالماً بالغريب؛ ثم ميمون الأقرن، ثم عَنْبسة بن معدان المهري، وهو الذي يقال له عَنْبسة الفيل قال‏:‏ وأما فيما روينا عن الخليل، فإنه ذكر أن أبرعَ أصحابِ أبي الأسود عَنْبَسَة الفيل، وأن ميموناً الأقرن أخذ عنه بعد أبي الأسود، فَرَأَس الناس بعد عنْبَسَة وزاد في الشرح، ثم توفي وليس في أصحابه أحدٌ مثل عبد اللّه بن أبي إسحاق الحضرمي، وكان يقال‏:‏ عبد اللّه أعلم أهل البصرة وأنقلهم، ففرَّع النحو وقاسه، وتكلم في الهمز، حتى عمل فيه كتاب مما أملاه، وكان رئيسَ الناس وواحدهم‏.‏

وقال أبو حاتم‏:‏ قال داود بن الزبرقان عن قتادة قال‏:‏ أول من وضع النحو بعد أبي الأسود يحيى ابن يعمَر، وقد أخذ عنه عبد اللّه بن أبي إسحاق‏.‏

وكان في عصر عبد اللّه بن أبي إسحاق أبو عمرو بن العلاء المازني، وله أخ يقال له أبو سفيان، وكان أخذ عمن أخذ عنه عبد اللّه، قال‏:‏ قال الخليل‏:‏ فكان عبد اللّه يُقَدَّم على أبي عمرو في النحو وأبو عمرو يُقَدَّم عليه في اللغة، وكان أبو عمرو سيّدَ الناس وأعلمَهم بالعربية والشعر ومذاهب العرب، وأخبرونا عن أبي حاتم عن الأصمعي قال‏:‏ قال أبو عمرو‏:‏ كنت رأساً والحسن حيّ‏.‏

قال أبو الطيب‏:‏ ولم يؤخذ على أبي عمرو خطأ في شيء من اللغة إلاّ في حرف قصر عن معرفته عِلم من خَطّأه فيه، وروايته‏.‏

أخبرنا جعفر بن محمد أخبرنا عليّ بن حاتم وغيره عن الأصمعي عن يونس قال‏:‏ قيل لأبي عمرو بن العلاء ما الثّفر‏؟‏ قال‏:‏ الاست، فقيل له‏:‏ إنه القُبُل، فقال‏:‏ ما أقرب ما بينهما فذهب قوم من أهل اللغة إلى أن هذا غلط من أبي عمرو، وليس كما ظنوا فقد نص أبو عمرو الشيباني وغيره على أن الثُّفر‏:‏ الدبر، والثفر من الأنثى‏:‏ القبل‏.‏

قال الخليل‏:‏ وأخذ العلم عن أبي عمرو جماعة منهم عيسى بن عمر الثقفي، وكان أفْصحَ الناس، وكان صاحب تَقْعِير واستعمال للغريب في كلامه‏.‏

ويونس بن حبيب الضبي، وكان متقدَّماً وكان النحوُ أغلب عليه، قال أبو عبيدة‏:‏ اختلفتُ إلى يونس أربعين سنة، أملأ كل يوم ألواحي من حفظه‏.‏

وأبو الخطاب الأخفش‏:‏ فكان هؤلاء الثلاثة أعلم الناس وأفصحهم‏.‏

وألَّف عيسى بن عمر كتابين في النحو أحدهما مبسوط سمَّاه الجامع، والآخر مختصر سماه المكمل، قال محمد بن يزيد‏:‏ قرأت أوراقاً من أحد كتابي عيسى بن عمر وكان كالإشارة إلى الأصول وفيهما يقول الخليل بن أحمد‏:‏

بطل النحو الذي ألفتمو *** غير ما ألف عيسى بن عمر

ذاك إكمال وهذا جامع *** فهما للناس شَمْسٌ وقمر

وأبو الخطاب المذكور أول من فَسَّر الشعر تحت كل بيت، وما كان الناس يعرفون ذلك قبله، وإنما كانوا إذا فرغوا من القصيدة فسَّروها‏.‏

قال أبو الطيب‏:‏ وكان في هذا العصر عمر الراوية أبو حفص، إلاّ أنه لم يؤلف شيئاً، ولم يأخذ عنه من شُهِر ذكره، فبلغنا أن سوار بن عبد اللّه لما ولي القضاء دخل عليه عمر الراوية يهنِّئُه، فقال له سوار‏:‏ يا أبا حفص؛ إن خصمين ارتفعا إليَّ اليوم في جارية فلم أدْرِ مَا قَالا، قال فما قالا‏؟‏ قال‏:‏ إن الخصم ذكر أنها ضَحْيَاء قال‏:‏ بلى أيها القاضي، إنها التي لا ينبت الشعر على عانتها‏.‏

وممن أخذ عن أبي عمرو أبو جعفر الرؤاسي عالم أهل الكوفة، ولم يناظر هؤلاء الذين ذكرنا ولا قريباً منهم، قال أبو حاتم‏:‏ كان بالكوفة نَحْويٌّ يقال له أبو جعفر الرؤاسي، وهو مطروح العلم ليس بشيء، وأهل الكوفة يعظمون من شأنه، ويزعمون أن كثيراً من علومهم وقراءتهم مأخوذ عنه‏.‏

قلت‏:‏ الأمرُ كذلك، وأبو جعفر هذا هو أستاذ الكسائي، وهو أول من وضع من الكوفيين كتاباً في النحو، وكان رجلاً صالحاً، وقيل‏:‏ إنّ كل ما في كتاب سيبويه وقال الكوفيّ كذا إنما عَني به الرؤاسي هذا، وكتابه يقال له الفَيْصل، وكان له عم يقال له مُعاذ بن مسلم الهرّاء، وهو نحوي مشهور، وهو أول من وضع التصريف‏.‏

ثم قال أبو الطيب‏:‏ ولا يذكر أهل البصرة يحيى بن يَعمر في النحويين، وكان أعلم الناس وأفصحهم لأنه استبد بالنحو غيرُه ممن ذكرنا، وكانوا هم الذين أخذ الناس عنهم، وانفرد يحيى بن يَعمَر بالقراءة، والذين ذكرنا من الكوفيين فهم أئمتهم في وقتهم، وقد بينا منزلتهم عند أهل البصرة؛ فأما الذين ذكرنا من علماء البصرة فرُؤَساء علماء معظمون غير مدافَعين في المِصْرَيْن جميعاً، ولم يكن بالكوفة ولا في مصر من الأمصار مثل أصغرهم في العلم بالعربية‏.‏

ثم أخذ النحو عن عيسى بن عمر الخليل بن أحمد الفُرْهودي، فلم يكن قبلَه ولا بعده مثله، وكان أعلمَ الناس وأذكاهم، وأفضل الناس وأتقاهم، قال محمد بن سلاَّم‏:‏ سمعت مشايخنا يقولون‏:‏ لم يكن للعرب بعد الصحابة أذكى من الخليل بن أحمد، ولا أجمع، ولا كان في العَجَم أَذْكَى من ابن القفع ولا أجمع، وقال أبو محمد التوّجي‏:‏ اجتمعنا بمكة أدباء كل أُفق، فتذاكرنا أمر العلماء حتى جرى ذكرُ الخليل فلم يبق أحد إلاّ قال‏:‏ الخليلُ أذكى العرب وهو مِفْتَاحُ العلوم ومصرفها‏.‏

قال أبو الطيب‏:‏ وأبدع الخليل بدائع لم يُسبق إليها؛ فمن ذلك تأليفه كلام العرب على الحروف في الكتاب المسمى كتاب العين واختراعه العروض، وأحدث أنواعاً من الشعر ليست من أوزان العرب‏.‏

وكان في العصر ثلاثة هم أئمة الناس في اللغة والشعر وعلوم العرب لم يُر قبلهم ولا بعدهم مثلهم، عنهم أُخِذ جلّ ما في أيدي الناس من هذا العلم، بل كلّه، وهم‏:‏ أبو زيد، وأبو عبيدة، والأصمعي، وكلهم أخذوا عن أبي عمرو اللغة والنحو والشعر، ورووا عنه القراءة، ثم أخذوا بعد أبي عمرو عن عيسى بن عمر وأبي الخطاب الأخفش ويونس بن حبيب، وعن جماعة من ثقات الأعراب وعلمائهم، مثل أبي مهدية وأبي طفيلة وأبي البيداء وأبي خيرة بن لقيط وأبي مالك عمرو بن كَرْكَرَة صاحب النوادر من بني نمير وأبي الدقيش الأعرابي، وكان أفصحَ الناس وليس الذين ذكرنا دونه، وقد أخذ الخليل أيضاً من هؤلاء واختلف إليهم‏.‏

وكان أبو زيد أحفظَ الناسِ للغة بعد أبي مالك وأوسَعهم رواية، وأكثرَهم أخذاً عن البادية، وقال ابن مناذر‏:‏ كان الأصمعي يُجِيب في ثلث اللغة، وكان أبو عبيدة يجيب في نصفها، وكان أبو زيد يجيب في ثلثيها، وكان أبو مالك يجيب فيها كلّها؛ وإنما عنى ابن مناذر توسعهم في الرواية والفُتْيا؛ لأن الأصمعي كان يضيق ولا يجوّز إلاّ أصح اللغات ويلج في ذلك ويمحك، وكان مع ذلك لا يجيب في القرآن ولا في الحديث، فعلى هذا يزيد بعضهم على بعض‏.‏

وأبو زيد من الأنصار، وهو من رُوَاة الحديث، ثقة عندهم مأمون، وكذلك حاله في اللغة، وقد أخذ عنه اللغة أكابرُ الناس، منهم سيبويه وحَسْبُك قال أبو حاتم عن أبي زيد‏:‏ كان سيبويه يأتي مجلسي وله ذُؤابتان؛ قال‏:‏ فإذا سمعتُه يقول‏:‏ وحدثني من أثق بعربيته فإنما يريدني، وكبر سن أبي زيد حتى اختلّ حفظُه، ولم يختلّ عقله، ومن جلالة أبي زيد في اللغة ما حدثنا به جعفر بن محمد‏:‏ حدثنا محمد بن الحسن الأزْدِي عن أبي حاتم عن أبي زيد قال‏:‏ كتب رجل من أهل رَامَهُرْمُز إلى الخليل يسأله كيف يقال‏:‏ ما أوقفك هاهنا ومن وأقفك‏؟‏ فكتب إليه‏:‏ هما واحد، قال أبو زيد‏:‏ ثم لقيني الخليل فقال لي في ذلك فقلت له‏:‏ إنما يقال مَن وقفك وما أوقفك‏؟‏، قال‏:‏ فرجع إلى قولي‏.‏

وأما أبو عبيدة فإنه كان أعلم الثلاثة بأيام العرب وأخبارهم، وأجمَعهم لعلومهم، وكان أَكملَ القوم، قال عمر بن شبّة‏:‏ كان أبو عبيدة يقول‏:‏ ما التقى فَرسان في جاهلية ولا إسلام إلاّ عرفتهما، وعرفت فارسيهما، وهو أول من ألف غريب الحديث؛ حدثنا علي بن إبراهيم البغدادي سمعت عبد اللّه بن سليمان يقول‏:‏ سمعت أبا حاتم السِّجِسْتَانِي يقول‏:‏ جاء رجل إلى أبي عبيدة يسأله كتاباً، وسيلة إلى بعض الملوك، فقال لي‏:‏ يا أبا حاتم اكتب عني، والحن في الكتاب؛ فإن النحو محدود؛ أي محروم صاحبه‏.‏

وأما الأصمعي فكان أتقنَ القوم باللغة، وأعلمَهم بالشعر، وأحضرهم حفظاً، وكان قد تعلم نَقْدَ الشعر من خلف الأحمر‏.‏

وهو خَلَف بن حَيَّان ويكنى أبا محمد وأبا محرز‏.‏

قال أبو حاتم عن الأصمعي‏:‏ كان خَلَف مولى أبي بردة بن أبي موسى الأشعري أعتقه وأعتق أبَوَيْهِ؛ وكان أعلم الناس بالشِّعر، وكان شاعراً، ووضع على شعراء عبد القيس شعراً كثيراً موضوعاً وعلى غيرهم، وأخذ ذلك عنه أهلُ البصرة، وأهلُ الكوفة، أخبرنا محمد بن يحيى‏:‏ أخبرنا محمد بن يزيد قال‏:‏ كان خلف أخذ النحو عن عيسى بن عمر، وأخذ اللغة عن أبي عمرو، ولم يُرَ أحد قط أعلم بالشعر والشعراء منه، وكان يُضرب به المثل في عمل الشعر، وكان يعمل على ألسنة الناس، فيُشَبّه كلَّ شعر يقوله بشعر الذي يضعه عليه، ثم نَسَك، فكان يختم القرآن في كل يوم وليلة، وبذل له بعض الملوك مالاً عظيماً خطيراً على أن يتكلم في بيت شعر شكراً فيه، فأبى ذلك، وعليه قرأ أهل الكوفة أشعارَهم، وكانوا يقصدونه لما مات حَمَّاد الراوية، لأنه كان قد أكثر الأخذ عنه، وبلغ مبلغاً لم يقاربه حماد، فلما تَنَسَّك خرج إلى أهل الكوفة فعرّفهم الأشعار التي قد أدخلها في أشعار الناس، فقالوا له‏:‏ أنت كنت عندنا في ذلك الوقت أوثقَ منك الساعة، فبقي ذلك في دواوينهم إلى اليوم‏.‏

أخبرنا جعفر بن محمد، أخبرنا علي بن سهيل، أخبر أبو عثمان الأشْنانْدَاني، أخبرنا التوّزيّ، قال خرجتُ إلى بغداد، فحضرت حَلْقة الفرّاء، فلما أنس بي قال، ما فعل أبو زيد‏؟‏ قلت‏:‏ مُلاَزِمٌ لبيته ومسجده وقد أسنّ، فقال‏:‏ ذاك أعلم الناس باللغة، وأحفظُهم لها؛ ما فعل أبو عبيدة‏؟‏ قلت‏:‏ ملازم لبيته ومسجده، على سُوء خلُقه‏؟‏ فقال‏:‏ أما إنه أكملُ القوم وأعلمهُم بالشعر، وأتقنهم للغة، وأحضرهم حفظاً؛ ما فعل الأخفش‏؟‏ يعني سَعيد بن مَسعدة قلت‏:‏ مُعافى، تركته عازماً على الخروج إلى الرَّي، قال‏:‏ أما إنه إن كان خرج فقد خرج معه النحو كله، والعلمُ بأصوله وفروعه‏.‏

قال أبو الطيب‏:‏ ولم يَرَ الناس أحضرَ جواباً وأتقن لما يحفَظ من الأصمعي، ولا أصدقَ لهجة، وكان شديد التألُّه، فكان لا يفسر شيئاً من القرآن، ولا شيئاً من اللغة له نظير واشتقاق في القرآن، وكذلك الحديث تحرُّجاً، وكان لا يفسر شعراً فيه هجاء، ولم يرفع من الأحاديث إلاّ الأحاديث اليسيرة، وكان صدوقاً في كل شيء، من أهل السُّنة؛ فأما ما يحكي العوام وسُقَّاط الناس من نوادر الأعراب، ويقولون‏:‏ هذا مما اختلقه الأصمعي، ويحكون أن رجلاً رأى عبد الرحمن ابن أخيه فقال‏:‏ ما فعل عمك‏؟‏ فقال‏:‏ قاعد في الشمس يكذب على الأعراب؛ فهذا باطل، وكيف يقول ذلك عبد الرحمن ولولا عمُّه لم يكن شيئاً مذكوراً‏؟‏ وكيف يكذب عمه وهو لا يَرْوِي إلاّ عنه وأنّى يكون الأصمعي كذلك وهو لا يفتي إلاّ فيما أجمع عليه العلماء، ويقف عما ينفردون عنه، ولا يجيز إلاّ أفصحَ اللغات، ويلحّ في دفع ما سواه‏!‏ وكان أبو زيد وأبو عبيدة يخالفانه ويناوئانه كما يناوئهما، فكلهم كان يطعن على صاحبه بأنه قليل الرواية، ولا يذكره بالتزوير، ولا يتهم أحدُهم صاحبَه بالكذب، لأنهم يبعدون عن ذلك، وكتب إليّ أبو روق الهمذاني قال، سمعت الرِّياشي يقول‏:‏ سمعت الأصمعي يقول‏:‏ أحفظ اثني عشر ألف أرجوزة، فقال له رجل‏:‏ منها البيت والبيتان‏؟‏ فقال‏:‏ ومنها المائة والمائتان، وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي‏:‏ عجائب الدنيا معروفة معدودة، منها الأصمعي‏.‏

قال أبو الطيب، ولم يحك الأصمعي ولا صاحباه عن الخليل شيئاً من اللغة، لأنه لم يكن فيها مثلهم، ولكن الأصمعي قد حكى عنه حكايات، وكان الخليل أسَنَّ منه‏.‏

وأخَذَ النحو عن الخليل جماعةٌ لم يكن فيهم ولا في غيرهم من الناس مثلُ سيبويه، وهو أعلمُ الناس بالنحو بعد الخليل، وألّف كتابه الذي سماه قران النحو، وعقد أبوابه بلفظه ولفظ الخليل، وأخذ أيضاً عن الخليل حمادُ بن سلمة وكان أخذ عن عيسى بن عمر قبله‏.‏

وأخذ عن الخليل أيضاً اللغة والنحو النَّضر بن شُمَيل المازني، وهو ثقةٌ ثَبت صاحب غريب وشعر ونحو وحديث وفقه ومعرفة بأيام الناس، وأبو محمد اليزيدي؛ وقد أخذ قبله عن أبي عمرو العربية والقراءة وهو ثقة‏.‏

وممن أخذ عن الخليل المؤرّج بن عمرو السَّدوسي وعلي بن نصر الجهْضَمِيّ؛ إلاّ أن النحو انتهى إلى سيبويه‏.‏

وأخذ عن يونس بن حبيب ممن اختصّ به دون غيره قُطْرُب، واسمه محمد بن المستنير، وكان حافظاً للغة كثيرَ النوادر والغرائب‏.‏

وأخذ عنه أيضاً وعن خلف الأحمر أبو عبد اللّه محمد بن سلاَّم الجُمَحيّ صاحب كتاب طبقات الشعراء، وهو ثقة جليل، روى عنه أبو حاتم والرياشي والمازني والزيادي وأكابر الناس، وأخذ النحو عن سيبويه جماعة برع منهم أبو الحسن سعيد بن مَسعدة الأخفش المجاشعي من أهل بلْخ، وكان غلام أبي شَمِر وعلى مذهبه في الاعتزال، وكان أسنَّ من سيبويه، ولكن لم يأخذ عن الخليل، ولم يكن ناقصاً في اللغة أيضاً، وله فيها كتب مستحسنة، وكان أخذ عن أبي مالك النميري‏.‏

وكان للكوفيين بإزاء من ذكرنا من علماء البصرة المفضَّل بن محمد الضبي؛ وكان عالماً بالشعر؛ وكان أوثق من روى الشعر من الكوفيين، ولم يكن أعلمهم باللغة والنحو؛ إنما كان يختص بالشعر وقد روى عنه أبو زيد شعراً كثيراً‏.‏

قال أبو حاتم‏:‏ كان أوثق مَنْ بالكوفة من الشعراء المُفضل الضبي وكان يقول‏:‏ إني لا أحسن شيئاً من الغريب ولا من المعاني ولا تفسير الشعر، وإنما كان يروي شعراً مجرداً‏.‏

ثم كان خالد بن كُلثوم، صاحب العلم بالشعر وكان أوسع في العربية من المفضَّل‏.‏

وكان من أوسعهم رواية حمَّادُ الراوية‏:‏ وقد أخذ عنه أهل المِصْرَيْن وخلف الأحمر، وروى عنه الأصمعي شيئاً من شعره‏.‏

أخبرنا جعفر بن محمد أخبرنا محمد بن الحسن الأَزْدِي أخبرنا أبو حاتم قال‏:‏ قال الأصمعي‏:‏ كل شيء في أيدينا من شعر امرئ القيس فهو عن حَمَّاد الراوية إلاّ شيئاًً سمعناه من أبي عمرو بن العلاء‏.‏

قال أبو الطيب‏:‏ وحماد مع ذلك عند البصريين غيرُ ثِقَة ولا مأمون؛ أخبرنا جعفر بن محمد حدثنا إبراهيم بن حميد قال أبو حاتم‏:‏ كان بالكوفة جماعة من رُوَاة الشعر مثل حمّاد الراوية وغيره، وكانوا يصنعون الشعر، ويقتنون المصنوع منه وينسُبونه إلى غير أهله، وقد حدثني سعيد بن هريم البرجمي قال‏:‏ حدثني من أثق به أنه كان عند حماد حتى جاء أعرابي فأنشده قصيدة لم تعرف، ولم يدر لمن هي، فقال حماد‏:‏ اكتبوها، فلما كتبوها، وقام الأعرابي، قال‏:‏ لمن ترون أن نجعلها‏؟‏ فقالوا أقوالاً، فقال حماد‏:‏ اجعلوها لطَرَفَة‏.‏

وقال الجاحظ‏:‏ ذكر الأصمعي وأبو عبيدة وأبو زيد عن يونس أنه قال‏:‏ إني لأعجب كيف أخذ الناس عن حماد وهو يلحن ويكسر الشعر ويصحّف ويكذب وهو حماد بن هرمز الديلمي، قال أبو حاتم‏:‏ قال الأصمعي‏:‏ جالستُ حماداً فلم أجد عنده ثلثمائة حرف، ولم أرضَ راويته، وكان قديماً‏.‏

وفي طبقته من الكوفيين أبو البلاد؛ وهو مِنْ أرواهم وأعلمهم، وكان أعمى، جيِّد اللسان، وهو مولي لعبد اللّه بن غَطَفان، وكان في زمن جرير والفرزدق‏.‏

قال أبو حاتم‏:‏ فأما مثل ابن كناسة ومحمد بن سهل فإنهما كانا يعرفان شعر الكُمَيْتِ والطرِمّاح وكانا مولّدين لا يحتج الأصمعي بشعرهما، وكان ابنُ كناسة يكنى أبا يحيى، وهو محمد بن عبد الأعلى بن كناسة، توفي بالكوفة سنة سبع ومائتين‏.‏

قال أبو الطيب‏:‏ والشعر بالكوفة أكثر وأجمع منه بالبصرة؛ ولكنَّ أكثره مصنوع ومنسوب إلى مَنْ لم يَقُلْهُ، وذلك بَيِّن في دواوينهم‏.‏

وكان عالمَ أهل الكوفة وإمامَهم غير مدافَع أبو الحسن علي بن حمزة الكِسائي‏.‏

أخبرنا محمد بن عبد الواحد؛ أخبرنا ثعلب قال‏:‏ أَجْمَعُوا على أن أكثر الناس كلِّهم رواية، وأوسعَهم علماً الكسائي؛ وكان يقول‏:‏ قلما سمعت في شيء فعلت إلاّ وقد سمعت فيه أفعلت، قال أبو الطيب‏:‏ وهذا الإجماع الذي ذكره ثعلب لا يدخل فيه أهلُ البَصْرَةِ‏.‏

وأخذ الناس علم العربية عن هؤلاء الذين ذكرنا من علماء المِصْريَنْ، وكان ممن برع منهم محمد أبو عبد اللّه بن محمد التوّجي، ويقال التوّزي‏.‏

وأبو علي الجِرْمازي‏.‏

وأبو عمر صالح بن إسحاق الجَرْمي‏.‏

وكانوا يأخذون عن أبي عبيدة وأبي زيد والأصمعي والأخفش وهؤلاء الثلاثة أكثر أصحابهم، وكان دون هؤلاء في السن أبو إسحاق إبراهيم الزيادي، وأبو عثمان بكر بن محمد المازني، وأبو الفضل العباس بن الفرج الرِّياشي، وأبو حاتم سهل بن محمد السِّجِسْتاني، وكان التوّجيُّ أطلعَ القوم في اللغة وأعلمهم بالنحو بعد الجَرمي والمازني‏.‏

قال المبرِّد‏:‏ كان أبو زيد أعلم من الأصمعي وأبي عبيدة بالنحو، وكانا بعد متقاربين، قال‏:‏ وكان المازني أخذ من الجَرْمي وكان الجرمي أعوصهما‏.‏

قال أبو الطيب‏:‏ وكان المازني من فضلاء الناس وعظمائهم ورُوَاتهم وثِقَاتهم، وكان أبو حاتم في نهاية الثقة والإتقان والعلم الواسع بالإعراب، وكُتُبُه في نهاية الاستقصاء والحسن والبيان، وزعموا أنه كان يُظْهِر السُّنة ويضمر الاعتزال‏.‏

ودون هذه الطبقة جماعة منهم أبو محمد عبد الرحمن بن عبد اللّه بن قُرَيْب ابن أخي الأصمعي؛ وقد روي عن عمه علماً كثيراً، وكان ربما حكى عنه ما يجد في كتبه من غير أن يكون سمعه من لفظه‏.‏

وأبو نصر أحمد بن حاتم الباهلي، وزعموا أنه كان ابن أخت الأصمعي وليس هذا بثبت، ورأيت جعفر بن محمد ينكره، وكان أَثبتَ من عبد الرحمن وأسنّ، وقد أخذ عن الأصمعي وأبي عبيدة وأبي زيد، وأقام ببغداد، فربما حكى الشيء بعد الشيء عن أبي عمرو الشيباني، وأخذ الناس العلم عن هؤلاء‏.‏

وأخذ النحو عن المازني والجَرمي جماعة، برع منهم أبو العباس المبرِّد فلم يكن في وقته ولا بعده مثلُه؛ وعنه أخذ أبو إسحاق الزّجاج وأبو بكر بن السَّراج ومَبْرَمان وأكابر من لَقِينا من الشيوخ‏.‏

وأخذ اللغة عنهما- أعني المازني والجَرْمي- وعن نُظَرائهما جماعةٌ، فاختَصَّ بالتّوجي أبو عثمان سعيد بن هارون الأشنانداني صاحب المعاني‏.‏

وبرع من أصحاب أبي حاتم أبو بكر بن دُرَيْد الأزدي، فهو الذي انتهى إليه عِلْمُ لغة البَصْريين، وكان أحفظ الناس وأوسعهم علماً، وأقدرهم على شعر، وما ازدحم العلمُ والشعرُ في صدر أحد ازدحامَهما في صدر خلف الأحمر وابن دُرَيد، وتصدَّر ابن دريد في العلم ستين سنة‏.‏ وفي طبقته في السن والرواية أبو علي عيسى بن ذكْوان‏.‏ وكان أبو محمد عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة الدِّينَوَرِي أخذ عن أبي حاتم والرِّياشي وعبد الرحمن ابن أخي الأصمعي، وقد أخذ ابن دُرَيْد عن هؤلاء كلهم وعن الأشنانداني، إلاّ أن ابن قتَيْبَة خلط علمه بحكايات عن الكوفيين لم يكن أخذها عن ثقات‏.‏ فهذا جمهور ما مضى عليه علماءُ البصرة؛ وفي خلال هؤلاء قومٌ علماء لم نذكرهم لأنهم لم يشتهروا، ولم يُؤْخذ عنهم، وإنما شهرة العالم بمصنَّفاته والرواية عنه‏.‏

وكان ممن أخذ عن سيبويه والأخفش رجل كان يعرف بالناشئ، ووضع كتباً في النحو، مات قبل أن يُتمها وتؤخذ عنه، قال المبرِّد‏:‏ لو خرج علم الناشئ إلى الناس لما تقدمه أحد‏.‏

وكان ممن أخذ عن الخليل وأبي عبيدة كيسان، وكان مُغَفَّلاً، وقال الأصمعي‏:‏ كيسان ثقة ليس بمتزيد‏.‏ وأما علماءُ الكوفيين بعد الكسائي فأعلمهم بالنحو الفَرّاء، وقد أخذ علمه عن الكسائي وهو عُمْدَتُه، ثم أخذ عن أعراب وثق بهم مثل أبي الجراح وأبي مرْوان وغيرهما، وأخذ نبذاً عن يونس وعن أبي زياد الكلابي، وكان الفراء وَرِعاً متديناً وكان يخالف الكِسائي في كثير من مذاهبه‏.‏ ومِمَّن أخذ عن الكسائي أبو عليّ الأحمر‏.‏ وأبو الحسن عليّ بن حازم اللِّحياني صاحب النوادر، وقد أخذ اللِّحياني أيضاً عن أبي زيد وأبي عبيدة والأصمعي؛ إلاّ أن عمدته الكسائي، وكذلك أهل الكوفة كلهم يأخذون عن البَصْرِيين وأهل البَصْرَةِ يمتنعون من الأخذ عنهم لأنهم لا يرون الأَعْرَاب الذين يَحْكُونَ عنهم حجة، ويذكرون أن في الشعر الذي يرونه ما قد شرحناه فيما مضى، ويحملون عليه غيره‏.‏ أخبرنا جعفر بن محمد أخبرنا إبراهيم بن حميد، قال‏:‏ قال أبو حاتم‏:‏ إذا فسَّرْتُ حروف القرآن المختلف فيها، وحكَيْتُ عن العرب شيئاً فإنما أحكيه عن الثقات منهم؛ مثل أبي زيد والأصمعي وأبي عبيدة ويونس وثِقاَتٍ من فصحاء الأعراب وحَمَلَةِ العلم، ولا ألتفت إلى رواية الكِسائي والأحمر والأموي والفراء ونحوهم‏.‏

قال أبو الطيب‏:‏ فلم يزل أهل المِصْرَيْن على هذا حتى انتقل العلم إلى بغداد قريباً، وغلب أهلُ الكوفة في بغداد، وخدموا الملوك فقدَّموهم فَأُرْغِب الناس في الروايات الشاذة، وتفاخروا بالنوادر، وتباهَوْا بالترخيصات، وتركوا الأصول، واعتمدوا في الفروع، فاختلط العلم‏.‏

وكان من علمائهم في هذا العصر- أعني عصر الفراء- أبو محمد عبد اللّه بن سعيد الأموي، أخذ عن الأعراب، وعن أبي زياد الكلابي، وأبو جعفر الرؤاسي، ونبذ عن الكسائي، وله كتاب نوادر، وليس عِلْمُه بالواسع‏.‏

وفي طبقته أبو الحسن علي بن المبارك الأخفش الكوفي، وأبو عِكْرمة الضّبي صاحب كتاب الخيل، وأبو عدنان الراوية صاحب كتاب القِسِيّ؛ ونِعْمَ الكتاب في معناه بعد كتاب أبي حاتم، وقد روى أبو عدنان عن أبي زيد كتبَه كلها‏.‏ ومن أعلمهم باللغة وأحفظهم وأكثرهم أخذاً عن ثقات الأعراب أبو عمرو إسحاق بن مرار الشيباني صاحب كتاب الجيم وكتاب النوادر، وهما كتابان جليلان؛ فأما النوادر فقد قرئ عليه وأخذناه روايةً عنه؛ أخبرنا به أبو عمر محمد بن عبد الواحد، أخبرنا ثعلب عن عمرو بن أبي عمرو عن أبيه؛ وأمّا كتاب الجيم فلا رواية له؛ لأن أبا عمرو بَخِل به على الناس فلم يقرأه عليه أحد‏.‏

وقد روى عنه أبو الحسن الطوسي وأبو سعيد الضرير وأبو سعيد الحسن بن الحسين السكري، وأجلُّ من روى عنه أبو نصر الباهلي وأبو الحسن عليّ اللِّحياني ثم يعقوب بن السِّكِّيت؛ فأما الطوسي والسكري فإنهما راويتان وليسا إمامين‏.‏

وأما أبو عبد اللّه محمد بن زياد الأعرابي فإنه أخذ العلم عن المُفَضَّل الضبي وهو أحفظُ الكوفيين للغة، وقد أخذ علَم البصريين وعلَم أبي زيد خاصة من غير أن يسمعَه منه، وأخذ عن أبي زياد وجماعة من الأعراب مثل الفضيل وعجرمة وأبي المكارم، وقوم لا يَثِقُ بأكثرهم البصريون، وكان ينحرف عن الأصمعي، ولا يقول في أبي زيد إلاّ خيراً، وكان أبو نصر الباهلي يتعنت ابن الأعرابي ويكذّبه، ويدعي عليه التزيُّدَ ويزيّفه، وابن الأعرابي أكثر حفظاً للنوادر منه، وأبو نصر أشد تثبتاً وأمانة وأوثق‏.‏

وأما أبو عبيد القاسم بن سلاَّم فإنه مصنِّف حسن التأليف، إلاّ أنه قليل الرواية، يقتطعه عن اللغة علوم افتنَّ فيها؛ فأما كتاب الغريب المصنف فإنه اعتمد فيه على كتاب عمله رجل من بني هاشم، جمعه لنفسه، وأخذ كتبَ الأصمعي فبوّب ما فيها، وأضاف إليها شيئاً من علم أبي زيد وروايات عن الكوفيين، وأما كتابه في غريب الحديث فإنه اعتمد فيه على كتاب أبي عبيدة مَعْمَر بن المُثَنّى في غريب الحديث؛ وكذلك كتابه في غريب القرآن منتزع من كتاب أبي عبيدة، وكان مع هذا ثقة وَرِعاً لا بأس به، وقد روي عن الأصمعي وأبي عبيدة، ولا نعلمه سمع من أبي زيد شيئاً‏.‏

قلت‏:‏ قد صرح في عدة مواضع من الغريب المصنف بسماعه منه، قال‏:‏ وسمع من الفراء، والأموي، والأحمر، وأبي عمرو؛ وذكر أهلُ البصرة أن أكثر ما يَحْكِيه عن علمائهم من غير سماع؛ إنما هو من الكتب، وقد أخذت عليه مواضع من كتابه الغريب المصنف؛ وكان ناقصَ العلم بالإعراب‏.‏ وكان في هذا العصر من الرواة ابن بجدة، وأبو الحسن الأَثْرم، فكان ابن بجدة يختص بعلم أبي زيد وروايته، وكان الأثرم يختص بعلم أبي عبيدة وروايته، وكان أبو محمد سلمة بن عاصم راوية الفراء وفيه وَرَعٌ شديد‏.‏

وانتهى علم الكوفيين إلى أبي يوسف يعقوب بن إسحاق السِّكِّيت، وأبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب، وكانا ثقتين أمينين؛ ويعقوب أسن وأقدم وأحسن الرجلين تأليفاً، وثعلب أعلمهما بالنحو، وكان يعقوب أخذ عن أبي عمرو والفراء، وكان يحكى عن الأصمعي وأبي عبيدة وأبي زيد من غير سماع، إلاّ ممن سمع منهم، وقد أخذ عن ابن الأعرابي شيئاً يسيراً‏.‏

وكان ثَعْلَب يعتمد على ابن الأعرابي في اللغة، وعلى سلمة في النحو، وكان يروى عن ابن بجدة كتب أبي زيد؛ وعن الأثرم كتب أبي عبيدة، وعن أبي نصر كتب الأصمعي، وعن عمرو بن أبي عمرو كتب أبيه، وكان ثقة متقناً يستغني بشهرته عن نعته‏.‏

وأما أبو جعفر محمد بن حبيب فإنه صاحبُ أخبار، وليس في اللغة هناك، وقد أخذ عن سلمة ابنه أبو طالب المفضّل، وقد أخذ أيضاً عن يعقوب وثعلب؛ وقد نظرتُ في كتبه فوجدته مُخَلِّطاً متعصِّباً، وردّ أشياء من كتاب العين أكثرُها غير مردود، واختار اختيارات في اللغة والنحو ومعاني القرآن غيرُها المختار‏.‏

وأما القاسم بن محمد بن بشار الأنباري، ومن روي عنه مثل أحمد بن عبيد الملقب أبا عصيدة؛ فإن هؤلاء رواةٌ أصحابُ أسفار لا يُذكرون مع من ذكرنا‏.‏

وجملة الأمر أن العلم انتهى إلى من ذكرنا من أهل المِصْريْن على الترتيب الذي رتبناه؛ وهؤلاء أصحابُ الكتب، والمرجوعُ إليهم في علم العرب، وما أخللنا بذكر أحد إلاّ لسبب‏:‏ إما لأنه ليس بإمامٍ ولا معوَّل عليه، وإما لأنه لم يخرج من تلامذته أحد يُحيِي ذِكْرَه، ولا من تأليفه شيء يلزم الناس نشره، كإمساكنا عن ذكر اليزيديين؛ وهم بيتُ علم وكلُّهم يرجعون إلى جدهم أبي محمد يحيى بن المبارك اليزيدي؛ وهو في طبقة أبي زيد والأصمعي وأبي عبيدة والكسائي، وعلمُه عن أبي عمرو وعيسى بن عمر ويونس وأبي الخطاب الأكبر، وقد روي عن أبي عمرو القراءة المشهورة في أيدي الناس، إلاّ أن علمه قليل في أيدي الرواة، إلاّ في أهل بيته وذريته، وهو ثقة أمين مقدَّم مكين، ولا علم للعرب إلاّ في هاتين المدينتين‏.‏

فأما مدينةُ الرسول فلا نعلم بها إماماً في العربية، قال الأصمعي‏:‏ أقمت بالمدينة زماناً ما رأيت بها قصيدة واحدة صحيحة إلاّ مصحفة أو مصنوعة‏.‏

وكان بها ابن دَأْب، يَضَعُ الشعر وأحاديثَ السَّمر، وكلاماً ينسُبه إلى العرب، فسقط وذهب علمه وخَفِيت روايته، وهو عيسى بن يزيد بن بكر بن دَأْب، يكنى أبا الوليد، وكان شاعراً وعِلْمُه بالأخبار أكثر‏.‏

وممن كان يجري مجرى ابن دَأْب الشَّرْقِيّ بن القطَامِي، وكان كذاباً، قال أبو حاتم‏:‏ حدثنا الأصمعي قال‏:‏ حدثنا بعض الرواة، قال‏:‏ قلت للشرقي‏:‏ ما كانت العرب تقول في صلاتها على موتاها‏؟‏ قال‏:‏ لا أدري قلت‏:‏ فاكْذِب له، قال‏:‏ كانوا يقولون‏:‏ رُوَيْدَك حتى تبعثَ الخلقَ بَاعِثة، فإذا أنا به يوم الجمعة يحدث به في المقصورة‏.‏

وممن كان بالمدينة أيضاً عليّ الملقب بالجمل وَضَع كتاباً في النحو لم يكن شيئاً‏.‏ وأما مكة فكان بها رجل من الموالي يقال له ابن قسطنطين، شَدَا شيئاً من النحو، ووضع كتاباً لا يُسَاوِي شيئاً‏.‏

وأما بغداد فمدينة مُلْك وليست بمدينة عِلْم، وما فيها من العلم فمنقول إليها ومجلوب للخُلَفَاءِ وأتباعهم، قال أبو حاتم‏:‏ أهل بغداد حشو عسكر الخليفة؛ لم يكن بها مَنْ يُوثق به في كلام العرب، ولا من تُرْتضى روايته، فإن ادَّعى أحد منهم شيئاً، رأيته مخلِّطاً صاحبَ تطويل وكثرة كلام ومكابرة‏.‏

قال أبو الطيب‏:‏ والأمرُ في زماننا على هذا أضعاف ما عَرَفَ أبو حاتم‏.‏ قال‏:‏ فهذه جملة تعرف بها مراتب علمائنا، وتقدمهم في الأزمان والأسنان، ومنازلهم من العلم والرواية‏.‏

انتهى كلام أبي الطيب في كتاب مراتب النحويين ملخصاً‏.‏ وقال ابن جني في كتاب الخصائص‏:‏ باب في صدق النَّقَلة وثقة الرُّوَاة والحمَلة‏.‏ هذا موضع من هذا الأمر لا يعرف صحته إلاّ من تصوَّرَ أحوال السلف، وعرف مقامهم من التوقير والجلالة، واعتقد في هذا العلم الكريم ما يجب اعتقادُه له، وعلم أنه لم يوفَّق لاختراعه وابتداء قوانينه وأوضاعه إلاّ البَرّ عند اللّه سبحانه‏.‏ الْحَظِيظ بما نوَّه به وأعلى شأنه، أو لا يعلم أن أمير المؤمنين هو البادئ به المُنَبِّه عليه‏.‏ والمُنشِئه والمُشِير إليه، ثم تحقق ابن عباس به واقتفاء علي رضي اللّه عنه أبا الأسود إياه، هذا بعد تنبيه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وحضه على الأخذ بالحظِّ منه، ثم تتالى السلف عليه‏.‏ واقتفاؤهم آخراً على أول طريقة، ويكفي من بعد ما يعرف من حاله ويشاهد به من عفة أبي عمرو بن العلاء ومن كان معه ومجاور أزمانه‏.‏

حدثنا بعضُ أصحابنا حديثاً يرفعه قال‏:‏ قال أبو عمرو بن العلاء‏:‏ ما زدت في شعر العرب إلاّ بيتاً واحداً؛ يعني ما يروى للأعشى من قوله‏:‏

وأنكرتْني وما كان الذي نكِرت *** من الحوادث إلاّ الشيبَ والصَّلَعَا

أفلا ترى إلى هذا البدر الباهر، والبحر الزاخر، الذي هو أبو العلماء وكهفهم، ويَدُ الرواة وسيفهم، كيف تخلُّصه من تبعات هذا العلم، وتحرجه وتراجعه فيه إلى اللّه تعالى وتحوّبه؛ حتى إنه لما زاد فيه على سعته وانبثاثه وتراميه وانتشاره بيتاً واحداً وفقه اللّه تعالى للاعتراف به، عنواناً على توفيق ذَوِيه وأهله‏.‏

وهذا الأصمعي وهو صَنَّاجة الرواة والنقلة، وإليه محط الأعباء والثقلة، ومنه تجبى الفِقَر والمُلَح، وهو ريحانة كل مُغتَبِق ومُصْطَبح، كانت مشيخة القراء وأماثلهم تحضره وهو حَدَث لأخذ قراءة نافع عنه، ومعلوم قدر ما حذف من اللغة فلم يثبته؛ لأنه لم يقو عنده إذ لم يسمعه، فأما إسفاف من لا عِلْم له، وقول من لا مُسكة به‏:‏ إن الأصمعي كان يزيد في كلام العرب، ويفعل كذا ويقول كذا؛ فكلام معفو عليه، غير معبوء به ولا منقوم من مثله، حتى كأنه لم يتأدّ إليه توقفه عن تفسير القرآن وحديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وتَحَوّبه من الكلام في الأَنْوَاء، ويكفيك من ذا خشية أبي زيد وأبي عبيدة، وهذا أبو حاتم بالأمس، وما كان عليه من الجد والانهماك والعِصْمَةِ والاستمساك‏.‏

وقال لنا أبو عليّ‏:‏ يكاد يُعْرَف صدقُ أبي الحسن ضرورة؛ وذلك أنه كان مع الخليل في بلد واحد ولم يحكِ عنه حرفاً واحداً؛ هذا إلى ما يعرف من عقل الكسائي وعِفَّتِهِ، و‏(‏صَلَفِه ونزاهته؛ حتى إن الرشيد كان يُجْلِسه ومحمد بن الحسن على كرسيين بحضرته، ويأمرهما ألاّ ينزعجا لنهضته‏.‏

وحكى أبو الفضل الرياشي قال‏:‏ جئتُ أبا زيد لأقرأ عليه كتابه في النبات فقال‏:‏ لا تقرأه عليّ فإنني قد أُنْسِيته، وحَسْبُنا من هذا حديث سيبويه وقد خط بكتابه وهو ألف ورقة عِلْماً مبتكراً، ووَضْعاً متجاوزاً لما يسمع ويرى، قلما تُسْند إليه حكاية، أو تُوصَل به رواية، إلاّ الشاذ الفذ الذي لا حفل به، ولا قدر؛ فلولا تحفُّظ مَنْ يليه، ولزومه طريق ما يعنيه؛ لكثرت المَحْكِيَّات عنه ونِيطتْ أسبابها به؛ لكن أخلد كلُّ إنسان منهم إلى عصمته، وادّرع جِلْبَابَ ثقته، وحمى جانبه من صدقه وأمانته، ما أريد من صون هذا العلم الشريف لذويه‏.‏

فإن قلت‏:‏ فإنا نجدُ علماء هذا الشأن من البلدين، والمتحلّين به من المِصْرين كثيراً ما يهجِّن بعضُهم بعضاً، فلا يترك له في ذلك سماءً ولا أرضاً‏؟‏ قيل‏:‏ هذا أدلُّ دليلٍ على كرم هذا الأمر ونزاهة هذا العلم، ألا ترى أنه إذا سبق إلى أحدهم ظِنَّةٌ، أو توجهت نحوه شبهة سُبّ بها، وبُرِئ إلى اللّه منه لمكانها، ولعل أكثَر ما يُرمى بسقطة في رواية، أو غمزة في حكاية، محمي جانب الصدق فيها، برئ عند اللّه من تبعتها؛ لكن أخذت عنه إما لاعْتِنَانِ شبهة عرضت له، أو لمن أخذ عنه، وإما لأن ثالِبَه ومُتَعَيِّبَه مقصر عن مغزاه، مغضوض الطرف دون مداه؛ وقد عرض الشبهة للفريقين، ويعترض على كلا الطريقين؛ فلولا أن هذا العلم في نفوس أهله والمتفيئين بظله كريم الطرفين جدد السمتين لما تسابُّوا بالهجنة فيه، ولا تنابزوا بالألقاب في تحصين فروجه ونواحيه، ليطووا ثوبه على أعدل غُرره ومطاويه، نعم وإذا كانت هذه المناقضات والمنافسات موجودة بين السلف القديم، وبين باقيه بالمنصب والشرف العميم؛ ممن هم سُرُج الأنام والمؤتم بهديهم في الحلال والحرام، ثم لم يكن ذلك قادحاً فيما تنازعوا فيه، ولا عائداً بطرف من أطراف التَّبعَة عليه جاز مثل ذلك أيضاً في علم العرب، الذي لا يخلص جميعه للدين خلوصَ الكلام والفقه له، ولا يكاد يعدم أهلُه الأنس به والارتياح لمحاسنه‏.‏

وللّه أبو العباس أحمد بن يحيى وتقدمه في نفوس أصحاب الحديث ثقة وأمانة، وعصمة وحَصانة، وهم عيار هذا الشأن، وأساس هذا البنيان؛ وهذا أبو علي؛ كأنه ما بَعُدَ منا، أو لم تَبِن به الحال عنا كان من تحرّيه وتأدبه وتحرجه كثير التوقف فيما يحكيه، دائم الاستظهار‏.‏ والإيراد لما يرويه، فكان تارة يقول‏:‏ أنشدت لجرير فيما أحسِب، وأخرى قال لي أبو بكر فيما أظن، وأخرى في غالب ظني كذا، وأرى أنني قد سمعت كذا‏.‏ هذا جزء من جملة، وغصن من دوحة، وقطرة من بحر مما يقال في هذا الأمر؛ وإنما أنسنا بذكره، ووكلنا الحال فيه إلى تحقيق ما يضاهيه، انتهى كلام الخصائص واللّه أعلم‏.‏